أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني

287

تيسير المطالب في أمالى أبى طالب

معرفة ، فغضب عليّ عليه السّلام ونادى : الصّلاة جامعة ، فاجتمع النّاس حتّى غصّ المسجد بأهله ، ثمّ صعد المنبر وهو مغضب متغيّر اللّون ، فحمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على النّبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم ، ثمّ قال : الحمد للّه الّذي لا يفرّه المنع ، ولا يكديه الإعطاء ؛ إذ كلّ معط ينتقص سواه ، هو المنّان بفوائد النّعم وعوائد المزيد ، ضمن عيالة خلقه ، وأنهج سبيل الطّلب للرّاغبين إليه ، وليس فيما سئل بأجود منه فيما لم يسأل ، وما اختلف عليه دهر فيختلف فيه الحال ، ولو وهب ما شقّت عنه معادن الجبال ، وضحكت عنه أصداف البحار من فلزّ اللّجين وسبائك العقيان ، ونثار الدّرّ وحصائد المرجان لبعض عبيده لما أثّر ذلك في جوده ، ولا أنفد سعة ما عنده ، ولكان عنده من ذخائر الأفضال ما لم تنفده مطالب السّؤال ولا تخطر لكثرته على بال ؛ لأنّه الجواد الّذي لا تنقصه المواهب ولا يبخله إلحاح الملحّين ، وإنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ، فما ظنّكم بمن هو هكذا سبحانه وبحمده . أيّها السّائل أعقل ، عمّا سألتني عنه ، ولا تسألن أحدا عنه بعدي فإنّي أكفيك مئونة الطّلب ، وشدّة التّعمّق في المذهب ، وكيف يوصف الّذي سألتني عنه وهو الّذي عجزت الملائكة مع قربهم من كرسي كرامته ، وطول ولههم إليه وتعظيم جلال عزّته ، وقربهم من غيب ملكوت قدرته أن يعلموا من علمه إلّا ما علّمهم ، وهم من ملكوت القدس بحيث هم ، ومن معرفته على ما فطرهم عليه ، فقالوا : سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [ البقرة : 32 ] .