أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني
288
تيسير المطالب في أمالى أبى طالب
فعليك أيّها السّائل بما دلّك عليه القرآن من صفته وتقدّمك فيه الرّسل بينك وبين معرفته فأتم به واستضئ بنور هدايته فإنّما هي نعمة وحكمة أوتيتها فخذ ما أوتيت وكن من الشّاكرين ، وما كلّفك الشّيطان علمه ممّا ليس عليك في الكتاب فرضه وفي سنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ولا عن أئمّة الهدى أثره فكل علمه إلى اللّه سبحانه ، فإنّ ذلك منتهى حقّ اللّه عليك . اعلم أيّها السّائل أنّ الرّاسخين في العلم هم الّذين أغناهم عن الاقتحام على السّدد المضروبة دون الغيوب ، الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من تفسير الغيب المحجوب ، فقالوا : آمنّا به كلّ من عند ربّنا فمدح اللّه سبحانه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما ، وسمّى تركهم التّعمّق فيما لم يكلّفهم البحث عنه منهم رسوخا ، فاقتصر على ذلك . واعلم أنّ اللّه لم يحدث فيمكن فيه التّغيير والانتقال ، ولم تتصرّف في ذاته كرور الأحوال ، ولم تختلف عليه عقب الأيام واللّيالي وهو ، الّذي خلق الخلق على غير مثال امتثله ، ولا مقدار احتذى عليه من خالق كان قبله ، بل أرانا من ملكوت قدرته وعجائب ما نطقت به آثار حكمته واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمهم بليغ تقويته ، ما دلّنا باضطرار قيام الحجّة له علينا على معرفته ، ولم تحط به الصّفات فيكون بإدراكها إيّاه بالحدود متناهيا ، وما زال هو اللّه الّذي ليس كمثله شيء عن صفة المخلوقين متعاليا ، وانحسرت وجلّ وعزّ عن أن تناله الأبصار فيكون بالعيان موصوفا ، وارتفع عن أن تحوي كنه عظمته فهاهات رويّات المتفكّرين وليس له مثل فيكون بالخلق مشبها ، وما زال عند أهل المعرفة به عن الأشباه والأنداد منزّها كذب العادلون باللّه إذ شبّهوه بأصنافهم وحلّوه تحلية