أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني
133
تيسير المطالب في أمالى أبى طالب
خليلك صلحا ، وذكّ قلبك بالأدب كما تذكّى النّار بالحطب ، كفر النّعمة لؤم ، وصحبة الأحمق شؤم ، واعلم أنّ الّذي بيده خزائن السّماوات والأرض قد أذن لك في دعائك وتكفّل بإجابتك ، وأمرك أن تسأله ليعطيك وهو رحيم بصير ، لم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه ، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه ، ولم يمنعك إن أسأت من التّوبة ولم يعاجلك بالنّقمة وفتح لك باب المتاب والأسباب فمتى شئت سمع دعاءك ونجواك ، فأفض إليه بحاجتك وبث ذات نفسك وأسند إليه أمورك ، ولا تكن مسألتك فيما لا يعنيك ولا ممّا يلزمك خباله ويبقى عليك وباله فإنّه يوشك أن ترى عاقبة أمرك حسنا أو قبيحا . واعلم يا بنيّ أنّك إنّما خلقت للآخرة لا للدّنيا ، وللفناء لا للبقاء ، وللموت لا للحياة ، وأنّك في منزل قلعة ، وطريق إلى الآخرة ، وأنّك طريد الموت الّذي لا ينجو هاربه ، ولا يفوت طالبه فأكثر ذكر الموت وما تهجم عليه وتفضي بعد الموت إليه واجعله أمامك حيث تراه فيأتيك وقد أخذت حذرك ، واذكر الآخرة وما فيها من النّعيم والعذاب الأليم فإنّ ذلك يزهدك في الدّنيا ويصغّرها عندك ، مع أنّ الدنيا قد نعت إليك نفسها وتكشّفت لك عن مساوئها ، وإيّاك أن تغترّ بما تراه من إخلاد أهلها إليها وتكالبهم عليها ، فإنّما هم كلاب عادية ، وسباع ضارية بعضها على بعض ، يأكل عزيزها ذليلها ، وكثيرها قليلها . واعلم يا بنيّ أنّ من كانت مطيّته اللّيل والنّهار ، فإنّه يسار به وإن لم يسر ، وإنّ اللّه قد أذن بخراب الدّنيا وعمارة الآخرة ، فإن تزهد فيما زهدتك فيه منها ، ورغبت عمّا رغّبت عنها ؛ فأنت أهل لذلك ، وإن كنت غير قابل نصيحتي فاعلم