أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني

134

تيسير المطالب في أمالى أبى طالب

علما يقينا أنّك لن تبلغ أملك ، ولن تعدو أجلك ، وإنّك في سبيل من كان قبلك فاخفض يا بنيّ في الطّلب ، وأجمل في المكتسب ، فربّ طلب جرّ إلى حرب ، وانظر إلى إخوانك الّذين كانوا لك في الدّنيا مؤانسين ، ومعك للّه ذاكرين متكاتفين ، قد خلوا عن الدّور ، وأقاموا في القبور إلى يوم النّشور ، وكان قد سلكت مسلكهم ووردت منهلهم ، وفارقت الأحبّة ، ونزلت دار الغربة ، ومحلّ الوحشة ، وجاورت جيرانا افترقوا في التّجاور ، واشتغلوا عن التّزاور ، فاعمل لذلك المصرع وهول المطّلع ، فيوشك أن تفارق الدّنيا وتنزل بك العظمى ، وتصير القبور لك مثوى ، واعمل ليوم يجمع اللّه فيه الأوّلين والآخرين ، ويجيء فيه بصفوف الملائكة المقرّبين حول العرش يجمعون على إعجاز موعد الآخرة ، وزوال الدّنيا الفانية ، وتغيّر الأحوال ، وتبدّل الآمال من عدل القضاء وفصل الجزاء في جميع الأشياء . فكم يومئذ من عين باكية ، وعورة بادية ، تجرّ إلى العذاب الأليم ، وتسقى ماء الحميم في مساكن الجحيم ، إن صرخ لم يرحم ، وإن صبر لم يؤجر ؛ فاعمل لتلك الأخطار تتخلّص من النّار ، وتكن مع الصّالحين الأبرار . يا بنيّ كن في الرّخاء شكورا ، وعند البلاء صبورا ، ولربّك ذكورا ، وليكن ما بينك وبينه معمورا . يا بنيّ ، لن تزال بخير ما حمدت ربّك ، وعرفت موعظته لك ، فإنّ قلوب المؤمنين رقيقة ، وأعمالهم وثيقة ، ونيّاتهم صدق وحقيقة ، فالزم محاسن أخلاقهم ، وجميل أفعالهم ، لعلّك تحاسب حسابهم ، وتثاب ثوابهم .