أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني
131
تيسير المطالب في أمالى أبى طالب
كتبت إليك كتابي هذا إن بقيت أو فنيت ، أوصيك بتقوى اللّه ، ولزوم أمره ، وعمارة قلبك بذكره ، والاعتصام بحبله ، فإنّ اللّه يقول : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [ آل عمران : 103 ] ، وأيّ سبب أوثق من سبب يكون بينك وبين اللّه تعالى ، فأحي قلبك بالموعظة ، ونوّره بالحكمة ، ومرّنه على الزّهد ، وقوّه باليقين ، وذلّله بالموت ، وقرّره بالفنى ، وبصّره فجائع الدّنيا ، وحذّره صولة الدّهر وفحش تقلّب الأيّام واللّيالي ، وأعرض عليه أخبار الماضين ، وذكّره بما أصاب من قبلك ، وسر في ديارهم وآثارهم ، وانظر فيما فعلوا ، وأين حلّوا ، وعمّا انقلبوا ، فإنّك تجدهم انتقلوا عن الأحبّة ، ونزلوا دار الغربة ، فكأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم فأصلح مثواك ولا تبع آخرتك بدنياك ، ودع القول فيما لا تعرف ، والنّظر فيما لم تكلّف ، وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته ؛ فإنّ الوقوف عن حيرة الطّريق خير من ركوب الأهوال ، وأمر بالمعروف وكن من أهله ، وانكر المنكر بلسانك ويدك ، وباين من فعله بجهدك ، وجاهد في اللّه حقّ جهاده ، ولا تأخذك في اللّه لومة لائم . وفي رواية أخرى : وعوّد نفسك الصّبر على المكروه ، ونعم الخلق الصّبر ، وألجئ نفسك في أمورك كلّها إلى إلهك ؛ فإنّك تلجئها إلى كهف حريز ، ومانع عزيز ، وأخلص في المسألة لربّك ، فإنّ في يديه العطاء والحرمان ، وأكثر من الاستخارة ، واحفظ وصيّتي . ومن هاهنا اتّفقت الرّوايتان : ولا تذهبن عنك صفحا ؛ فإنّ خير القول ما نفع ، واعلم يا بنيّ أنّه لا غني لك عن حسن الارتياد ، وبلاغ الزّاد مع خفّة الظّهر ، فلا تحمل على ظهرك فوق بلاغك فيكون ثقلا ووبالا ، وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل زادك فيوافيك به حيث ما تحتاج إليه فاغتنمه ، فإنّ أمامك عقبة كئودا لا