السيد المرعشي
328
شرح إحقاق الحق
لقد كان أبو عبد الله الصادق عبدا شكورا ، وإنا نرى أن الصبر والشكر معنيان متلاقيان في نفس المؤمن ، فمن شكر النعمة فهو الصابر في النقمة . . . بل إن شكر النعمة يحتاج إلى صبر ، والصبر في النقمة لا يتحقق إلا مع الشكر ، إذ يكون هو الصبر مع الرضا ، وهو الصبر الجميل . ولقد كان أبو عبد الله صابرا خاشعا قانتا عابدا . . . صبر في الشدائد ، وصبر في فراق الأحبة ، وصبر في فقد الولد . مات بين يديه ولد صغير له من غصة اعترته ، فبكى وقال : لئن أخذت لقد أبقيت ، ولئن ابتليت لقد عافيت . ثم حمله إلى النساء ، فصرخن حين رأينه ، فأقسم عليهن ألا يصرخن . ثم أخرجه إلى الدفن وهو يقول : سبحان من يقبض أولادنا ولا نزداد له إلا حبا ، ويقول بعد أن واراه التراب : إنا قوم نسأل الله ما نحب فيمن نحب فيعطينا ، فإذا أحب ما نكره فيمن نحب رضينا . فهو رضي الله عنه يرضى بما يحبه الله ، وذلك هو الشكر في النقمة ، وإن الصبر مع التململ لا يعد صبرا ، إنما هو الضجر ، والضجر والصبر متضادان ، ولعل أوضح الرجال الذين تلتقي فيهم حال الشكر مع حال الصبر هو الإمام الصادق . وقال أيضا في ص 715 في شجاعته عليه السلام : إن أحفاد علي الصادقين في نسبتهم إليه شجعان ، لا يهابون الموت ، وخصوصا من يكونون في مثل حال أبي عبد الله جعفر الصادق ، الذي عمر الإيمان قلبه ، وانصرف عن الأهواء والشهوات ، واستولى عليه خوف الله وحده ، ومن عمر قلبه بالإيمان بالله وحده لا يخاف أحدا من عباده ، مهما تكن سطوتهم وقوتهم . وقد كان شجاعا في مواجهته لمن يدعون أنهم له أتباع ، ويحرفون الاسلام عن مواضعه ، وكان شجاعا عندما يذكر المنصور بطغيانه وجبروته ، وقد سأله : لم خلق الله الذباب ؟ فأجابه : ليذل به الجبابرة ، كما قلنا لك من قبل . وإن لقاءه للمنصور - وقد تقول عليه الأقاويل من يطوفون بملكه - وثبات جنانه في هذا اللقاء ، وإجابته الصريحة لأكبر دليل على ما كان