السيد المرعشي
329
شرح إحقاق الحق
يستمتع به من شجاعة . وانظر إليه وهو ينصح أبا جعفر في وقت اتهامه : عليك بالحلم فإنه ركن العلم ، واملك نفسك عند أسباب القدرة . . . فإنك إن تفعل ما تقدر عليه كنت كمن يحب أن يذكر بالصولة ، واعلم أنك إن عاقبت مستحقا لم تكن غاية ما توصف به إلا العدل ، والحال التي توجب الشكر أفضل من الحال التي توجب الصبر . ويروى أن بعض الولاة نال من علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في خطبته ، فوقف جعفر الصادق ، ورد قوله وختم كلامه بهذه الجملة : ألا أنبئكم بأخلى الناس ميزانا يوم القيامة ، وأبينهم خسرانا ؟ ! من باع آخرته بدنيا غيره ، وهو هذا الفاسق . وإن امتناعه عن الدعوة لنفسه لا يتنافى مع الشجاعة ، لأن الشجاع ليس هو المندفع الذي لا يعرف العواقب ونتائج الأعمال ، إنما الشجاع الذي يقدر الأمور ، ويتعرف نتائجها وغاياتها ، فإذا تبين له أن الإقدام هو المجدي ، أقدم لا يهمه ما يعتوره من السيوف ، وما يحيط به من أسباب الموت . وقال أيضا في فراسته عليه السلام : كان الصادق ذا فراسة قوية . . . ولعل فراسته النافذة هي التي منعته من أن يقتحم الأمور ويتقدم بدعوات سياسية ، وهو يرى حال شيعته بالعراق من أنهم يكثرون القول ، ويقلون العمل ، وقد اعتبر بما كان منهم للحسين ، ثم لزيد وأولاده ، ثم لأولاد عبد الله بن الحسن ، ولذا لم يطعهم في إجابة رغباتهم في الخروج ، وكان ينهى كل من خرجوا في عهده عن الخروج . . . فنهى عمه زيدا ، ونهى ولدي عمومته محمدا النفس الزكية وإبراهيم .