المقريزي
59
تاريخ اليهود وآثارهم في مصر
سكنوا ، واتّفق أنّ رجلا من الإسرائيليّين ضرب بعض سدنة الهياكل فأدماه ، وعاب دين الكهنة ، فغضب القبط ، وسألوا الوزير أن يخرج بني إسرائيل من مصر فأبى ، وكان « دارم » الملك قد خرج إلى الصّعيد ، فبعث إليه يخبره بأمر الإسرائيلىّ ، وما كان من القبط في طلبهم إخراج بني إسرائيل من مصر ، فأرسل إليه ألّا يحدث في القوم حدثا ، دون موافاته ، فشغب القبط ، وأجمعوا على خلع الملك ، وإقامة غيره . . فسار إليهم الملك ، وكانت بينه وبينهم حروب قتل فيها خلق كثير ، ظفر فيها الملك . . وصلب ممّن خالفه بحافّتى النّيل طوائف لا تحصى . . وعاد إلى أكثر ممّا كان عليه من ابتزاز النّساء ! وأخذ الأموال . . واستخدام الأشراف والوجوه من القبط ، ومن بني إسرائيل . . فأجمع الكلّ على ذمّه . . واتفق أنّه ركب في النّيل فهاجت به الرّيح وأغرقه اللّه ومن معه ، ولم توجد جثّته إلّا عند « شطّنوف » « 1 » فأقام الوزير من بعده في الملك ابنه « معاد يوش » وكان صبيّا ، ويسمّيه بعضهم « معدان » فاستقام الأمر له ، وردّ النّساء اللّاتى اغتصبهنّ أبوه ، وهو خامس الفراعنة . . فكثر بنو إسرائيل في زمنه ، ولهجوا بثلب الأصنام وذمّها . . وهلك « بلاطس » الوزير ، وقام من بعده في الوزارة كاهن يقال له : « أملاده » فأمر بإفراد بني إسرائيل ناحية في البلد . . بحيث لا يختلط بهم غيرهم . فأقطعوا موضعا في قبلىّ مدينة « منف » « 2 » صاروا إليه ، وبنوا فيه معبدا كانوا يتلون به صحف إبراهيم عليه السّلام .
--> ( 1 ) شطنوف : هكذا ضبطها ياقوت وقال : بفتح أوله ، وتشديد ثانيه ، وفتح النون : بلدة بمصر من كورة الغربية . عندها يفترق النيل إلى فرقتين : فرقة تمضى شرقا إلى تنيس ودمياط ، وفرقة تمضى غربا إلى رشيد . على فرسخين من القاهرة . وتنطق اليوم « شطنوف » بفتح الطاء وضم النون . وإليها ينسب الشطنوفى نور الدين أبو الحسن على ( 1249 - 1313 م ) المعروف ب « جهضم الهمداني » رئيس المقرئين في ديار مصر . ( 2 ) منف أو منفيس ) sihPmeM ( : عاصمة مصر قديما . على يسار شاطئ النيل بالقرب من القاهرة . لا يبقى منها إلى يومنا إلا الأثر في موضع يدعى « ميت رهينة » قرب الجيزة .