المقريزي
36
تاريخ اليهود وآثارهم في مصر
الهائجة ، حتى لقد جعلوا من حياة موسى عليه السلام شقاء متّصلا ، وبكاء لا ينقطع إلى اللّه ، وهو يتضرّع إليه أن يعفيه من هذه الزّعامة لذلك الشعب الذي وصفه اللّه نفسه بأنه صلب الرقبة ، وأنه شرّير متذمّر ، وأنه أعوج ملتو ( الخروج 32 : 9 ، العدد 14 : 26 ، التثنية 32 : 5 ) . ذلك أنهم لم يكونوا في الواقع يتمردون على موسى عليه السلام وإنّما على اللّه نفسه ، بالرغم من أنه أعلن لهم أنه هو حاميهم وحاكمهم وملكهم . ولذلك قال اللّه عنهم : « إنّهم جيل متقلّب . أولاد لا أمانة فيهم . . أغاظونى بأباطيلهم . . إنّهم أمّة عديمة الرأي ولا بصيرة فيهم . . إنّ يوم هلاكهم قريب » ( التثنية 32 : و 20 و 21 و 28 و 35 ) . بيد أن نزول شريعة اللّه على يد موسى عليه السلام في هذه الفترة وبناء خيمة الاجتماع لعبادة اللّه ، وتعيين هارون عليه السلام وبنيه كهنة للخدمة الدّينية ، كان مظهرا - وإن يكن شكليّا في حقيقته - لخضوع اليهود بكل أسباطهم لسلطة عليا واحدة هي سلطة اللّه ، وزعامة سياسية واحدة هي زعامة موسى عليه السلام ، ورئاسة دينية واحدة هي رئاسة هارون عليه السلام والالتفاف حول معبد واحد هو خيمة الاجتماع . ولكننا مع كل ذلك لن نلبث أن نرى أن هذه الوحدة التي جمعت بين اليهود كانت مؤقتة وغير حقيقية وغير صادقة . فما أن أغار اليهود على فلسطين حتى قسموها بين أسباطهم أقساما مستقلة استقلالا ثابتا ودائما ، بحيث كانت القاعدة أنه لا يجوز أن يتحول نصيب سبط منهم إلى سبط آخر ، إذ جاء صراحة في سفر العدد : « فلا يتحول نصيب لبنى إسرائيل من سبط إلى سبط ، بل يلازم بنو إسرائيل كلّ واحد نصيب سبط آبائه . وكل بنت ورثت نصيبا من أسباط بني إسرائيل تكون امرأة لواحد من عشيرة سبط أبيها لكي يرث بنو إسرائيل كل واحد نصيب آبائه ، فلا يتحوّل نصيب من سبط إلى سبط آخر ، بل يلازم أسباط بني إسرائيل كل واحد نصيبه » ( العدد 36 : 7 - 9 ) . * * *