المقريزي

117

تاريخ اليهود وآثارهم في مصر

الحروب بينهم ، وقتل بعضهم بعضا ، إلى أن خرّب البيت على يد « طيطش » « 1 » الخراب الثّانى . . بعد رفع عيسى صلوات اللّه عليه ، وتفرّق اليهود من حينئذ في أقطار الدّنيا ، وصاروا ذمّة . . والنّصارى تقتلهم حيثما ظفرت بهم ، إلى أن جاء اللّه بالملّة الإسلاميّة ، وهم في تفرّقهم ثلاث فرق : الربّانيون . . والقرّاء . . والسّمرة . فأمّا الربّانيّة « 2 » فيقال لهم : بنو مشنو ، ومعنى مشنو : الثّانى « 3 » . وقيل لهم ذلك لأنّهم يعتبرون أمر البيت الّذى بنى ثانيا بعد عودهم من الجلاية ، وخرّبه « طيطش » ، وينزلونه في الاحترام ، والإكرام ، والتّعظيم . منزلة البيت الأوّل . . الّذى ابتدأ عمارته داود ، وأتمّه ابنه سليمان . عليهما السّلام ، وخرّبه بختنصّر فصار كأنّه يقال لهم : أصحاب الدّعوة الثّانية .

--> ( 1 ) « طيطش » : هو طيطوس بن اسفسيانوس قيصر . افتتح مدينة أورشليم بعد رفع المسيح بأربعين سنة ، وقتل فيها زهاء 60 ألف نفس ، وسبى نيّفا ومائة ألف نفس ، ومات فيها من الجوع خلق كثير ، وتشتّت الباقون في البلاد ، وأحرق هيكل أورشليم . راجع : ( تاريخ ابن العبري ص 69 ) . ( 2 ) الربانيون . أو الربائون . أو الربيون ، وبالعبرية « ربانيم » : هم جمهور اليهود المعروفين أكثر من غيرهم . جمع ربان ، بمعنى : الإمام ، الحبر ، الفقيه . إشارة إلى اتباعهم ما يقوله الأحبار في المشنا ، والتلمود من التفاسير ، وتقيّدهم بذلك . وسدّوا باب الرأي والاجتهاد ، بتحريمهم شرعا كل من شذ وخالف . وكان الربان ( الحبر ) يرأس قومه ويشرف عليهم ، ولا يلبس غير الأبيض من الثياب ، ولم تكن له إتاوة على منصبه فيرتزق بالتجارة أو الفلاحة ، فإذا لم يكن له مرتزق جعلوا له رزقا ولو على غير مراده . وأول من سمى ( ربانا ) الشيخ جمليئيل . . أما أبوه شمعون وجده هليّل فلا . راجع : ( القراءون والربانون ، لمراد فرج ص 31 - 33 ) . ( 3 ) بنو مشنا : أي أبناء المشنا . والمشنا : يضارعها في العربية « المثنّى » لأنه الكتاب الثاني للتوراة الذي أمر موسى عليه السلام أن يبلغه إلى الناس شفويّا . ويرى الربانون أن المشنا كتاب سماوي . . بينما يرى القراءون أنه ليس للتوراة ثانيا ، فليس هناك توراتان أو توراتات ، وإنما هي توراة واحدة . راجع ( القراءون والربانون . مراد فرج ص 36 ) .