المقريزي
118
تاريخ اليهود وآثارهم في مصر
وهذه الفرقة هي الّتى كانت تعمل بما في المشنا الّذى كتب بطبريّة بعد تخريب « طيطش » القدس ، وتعوّل في أحكام الشّريعة على ما في التّلمود إلى هذا الوقت الّذى نحن فيه . وهي بعيدة عن العمل بالنّصوص الإلهيّة ، متّبعة لآراء من تقدّمها من الأحبار . ومن اطّلع على حقيقة دينها تبيّن له أنّ الّذى ذمّهم اللّه به في القرآن الكريم حقّ ، لا مريّة فيه ، وأنّه لا يصحّ لهم من اسم اليهوديّة إلّا مجرّد الانتماء فقط ؛ لا أنهم في الاتّباع على الملّة الموسويّة ، لا سيّما منذ ظهر فيهم موسى ابن ميمون القرطبىّ « 1 » . . بعد الخمسمائة من سنى الهجرة المحمّديّة ، فإنّه ردّهم مع ذلك معطّلة ، فصاروا في أصول دينهم ، وفروعه أبعد النّاس عمّا جاء به أنبياء اللّه تعالى من الشّرائع الإلهيّة . وأمّا القرّاء « 2 » فإنّهم بنو مقرا . ومعنى مقرا : الدّعوة . وهم لا يعوّلون على البيت الثّانى جملة . ودعوتهم إنّما هي لما كان عليه العمل مدّة البيت الأوّل . . وكان
--> ( 1 ) راجع : ( صفحة 112 هامش 4 ) . ( 2 ) القراءون : سمّوا قراءون لاعتمادهم على المقرأ : أي ما يقرأ فيه ، وهو التوراة ، دون التلمود أو دون التقيد به ، فإن طريقتهم هي دائما من واقع نصوص التوراة وحدها ، وتفسيرها وشرحها بالأدلة العقلية ، والقياس ، والإجماع ، فيما لا يخالف التوراة . وليس معنى إنكار القرائين المشنا أو التلمود أنه محرم عليهم شرعا رجوعهم إليه واعتمادهم عليه . . بل المعنى أنهم لا يؤمنون أنه منزل من السماء ، وإنما هو شرح وتفسير للتوراة من وضع الأحبار . . والفرق بين القرائين والربّانيين : أن الربانيين قالوا : إن المشنا والتلمود سماوي كالتوراة . ولم يقرهم القراءون على ذلك . فلا تعارض أو تضارب في رجوع القرائين إلى المشنا والتلمود إذا شاءوا مع عدم إقرارهم به سماويّا ، وشبهها بعضهم بالشيعة لأهل السّنة . وهذه الطائفة من أوائل الذين عنوا بالفلسفة ، واللغة ، والنحو ، والصرف ، والفقه ، وقرض الشعر . راجع : ( القراءون والربانون ، لمراد فرج ص 42 - 51 ) . ويقول الدكتور حسن ظاظا : تأثر القراءون بفرقة المعتزلة الإسلامية التي كان من أهم ميولها عدم الأخذ بالحديث والتحرج من اعتباره مصدرا من مصادر التشريع الإسلامي . وكان عنان بن داود تلميذا للمعتزلة ومتأثرا بهم من الأخذ بالحديث . راجع : ( الفكر الديني ص 297 - 299 ) .