نزار المنصوري
438
النصرة لشيعة البصرة
حكمته فراحت تسمو على الوجود المادي ، وتزهد بالحياة الدنيا ، وتتعجل الشهادة لترجع إلى ربها راضية مرضية . ومهما يكن من شيء فالخطب التي ألقيت ، والقصائد التي تليت كانت في مجموعها تؤلف كتابا جامعا عن حياة عليّ خليقا بان يقرأه الناس فيروا فيه عظمة الإنسان الذي راض نفسه بالتقوى رياضة سمت بها إلى آفاق الملائكة ، ومعارج الملأ الأعلى . ولعل هذا ما حفز القائمين بالحفل إلى جمع هذه الخطب والقصائد في كتاب واحد يجد فيه القارئ مثلا عليا للفضائل الإنسانية في صورها المختلفة : من علم وحلم ، وإيثار وعطف ، وبلاغة وحكمة ، ومضاء وشجاعة ، وعبادة ونسك ، ووفاء وصدق ، وطهارة وعفة ، وانصاف وعدل . كل أولئك مجموع في عليّ الذي يعد تاريخه التاريخ الجامع لكل ما تفتقر إليه الإنسانية من عدل شامل ، ودستور كامل . وإذا لم يكن هذا الكتاب قد تناول فيما تناول تاريخ عليّ كله بالصورة التي يكتبها المؤرخون عن سير عظماء التاريخ فقد تناول أهم ما ينبغي أن يعرفه القراء عن حياة عليّ عليه السّلام ، لأن دراسة كتب التاريخ ليست في جوهرها غاية تقصد لذاتها ، بل وسيلة لفهم ما يكون من وراء هذه الدراسة من معرفة لأهم شؤون الحياة ، فليس مهما أن يعرف الناس من سيرة الرجل مولده ، ومماته ، وبيئته ، ونشأته إلّا إذا كانت هذه الأمور وسائل لآثار عميقة اصطبغت بها حياة ذلك الرجل فكان لها وجود خاص يختلف عن وجود غيره من سائر الناس ، وذلك فيما يحدثه في الهيئة الاجتماعية من آثار خلاقة مبدعة . كذلك لم يكن مهما ان نعرف عن حياة عليّ أنه ولد في مكّة سنة 30 من عام الفيل ، وهاجر إلى المدينة فيمن هاجر من المهاجرين ، وولي الخلافة بعد مقتل عثمان ، واتخذ الكوفة دار خلافته ، واستشهد بسيف ابن ملجم المرادي سنة 40 ه ،