الرزينة ر . لالاني ( مترجم : سيف الدين القصير )

137

الفكر الشيعي المبكر ( تعاليم الامام محمد الباقر )

وعلى الرغم من كل المصداقية التي تعطى للباقر في الأدب غير الشيعي ، إلا أن الأحاديث التي رويت عنه في ما بقي من كتب الحديث السنّية ، لا تظهر بهذا الشكل البارز . وعلى قلّتها ، فإنها لا تميل إلى تدعيم مرجعيته باعتباره محدّثا لامعا كما تصفه معاجم التراجم أو كتب السير . صحيح أنه ليس لكل المحدّثين الذائعي الصيت أحاديث كثيرة مروية بأسمائهم ، إلا أن المرء لا يستطيع إلا أن يعبّر عن دهشته حيال قضية الباقر الموسوم عموما ب « باقر العلم » . « 9 » ومن المهم ملاحظة أن الزهري ( ت . 124 ه / 742 م ) ، الذي روى الأحاديث نقلا عن الباقر ودرس على يدي والده ، زين العابدين ، « 10 » ظهر بارزا في ما بقي لدينا من التراث السّنّي ، في حين أهمل الباقر الذي نقل عنه حتى مالك ( 97 ه - 179 ه / 716 م - 795 م ) وأبو حنيفة ( 81 ه - 150 ه / 700 م - 767 م ) ، وقلّت الرواية عنه . لذلك ، لا يجب الاستناد ، بأي شكل من الأشكال ، إلى الأحاديث السّنية على أنها أحاديث شاملة ، ولا معبّرة عن أعلام ذلك العصر . يضاف إلى ذلك ، أنه ربما توفرت متون الأحاديث للرواة من خلال أسانيد عديدة . ولذلك ، من المحتمل أن يكون إسناد واحد محدّد قد أدرج مع استبعاد أسانيد أخرى . إلا أن السؤال يبقى قائما حول ما إذا كان ذلك محض صدفة أم مسألة تفضيل متعمّدة ، أي عملية « انتقاء واختيار » واعية . والاحتمال الأخير لا يمكن تجاهله كليا ، إذ إنه حتى الكاتب أو الراوي الأكثر موضوعية لا بد من أنه كانت له مواقفه وميوله وتحفظاته وضوابطه الخاصة . إن نظرة موجزة على خلفية هذه الفترة ستلقي الضوء على هذه النقطة . كما هو معروف ، عرف أدب الحديث وجودا متكدرا إبان فترته التكوينية ،

--> ( 9 ) . انظر : ابن حجر ، تهذيب ، م 9 - 10 ، ص 350 وما بعدها ، حيث يذكر قائمة بأولئك الناس الذين قالوا بأنه كان يدعى « باقر العلم » . ومن هؤلاء زبير بن بكّار ( ت . 256 ه / 869 م ) ، وهو أحد علماء المدينة وأصبح قاضيا في مكة في ما بعد . ( 10 ) . انظر : عبد الرحمن الحافظ ، حياة الزهري وتبحره في الحديث والسنة ، إدنبرغ 1977 ، ص 268 - 270 . ويروى أن الزهري أمضى معظم جلساته بصحبة زين العابدين ؛ انظر أيضا : ابن سعد ، طبقات ، م 5 ، ص 158 ، حيث يذكر أن زين العابدين هو الوحيد الذي كان قادرا على تخليص الزهري من حزنه ؛ انظر : ابن حنبل ، المسند ، م 3 ، الحديثان 1882 و 1883 .