السيد حسن الصدر
347
الشيعة وفنون الإسلام
--> - الثامن في حسن الخلق : لا خلاف بين العقلاء في أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام أشرف الناس خلقا ، حتى إنّه عليه السّلام نسب إلى الدعابة لطيب أخلاقة ولطف سيرته مع أصحابه . روي أنه عليه السّلام اجتاز على امرأة مسكينة لها أطفال صغار يبكون من الجوع وهي تشاغلهم وتلهيهم حتّى يناموا ، وكانت أشعلت نارا تحت قدر فيها ماء لا غير ، وأوهمتهم أنّ فيها طعاما تطبخه لهم ، فعرف أمير المؤمنين عليه السّلام حالها ، فمشى ومعه قنبر إلى منزله فأخرج قوصرّة تمر [ وعاء من قصب يرفع فيه التمر من البواري ] وجراب دقيق وشيئا من الشحم والأرز والخبز وحمله على كتفه الشريف ، فطلب قنبر حمله فلم يفعل ، فلمّا وصل إلى باب المرأة استأذن عليها ، فأذنت له في الدخول ، فرمى شيئا من الأرز في القدر ومعه شيء من الشحم ، فلمّا فرغ من نضجه غرف للصغار وأمرهم بأكله ، فلمّا شبعوا أخذ يطوف في البيت ويبعبع لهم فأخذوا في الضحك . فلمّا خرج عليه السّلام قال له قنبر : يا مولاي ، رأيت الليلة شيئا عجيبا قد علمت سبب بعضه ، وهو حملك الزاد طلبا للثواب ، أمّا طوافك في البيت على يديك والبعبعة فما أدري سبب ذلك ! فقال عليه السّلام : يا قنبر ، إنّي دخلت على هؤلاء الأطفال وهم يبكون من شدّة الجوع فأحببت أن أخرج عنهم وهم يضحكون مع الشبع فلم أجد سببا سوى ما فصلت . وقال ضرار بن ضمرة : دخلت على معاوية بعد قتل أمير المؤمنين عليه السّلام فقال : صف لي عليّا ؟ فقلت : اعفني ، فقال : لا بدّ أن تصفه ، فقلت : أما إذ لا بد من ذلك فإنّه كان واللّه بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجّر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل ووحشته ، غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلّب كفّه ويخاطب نفسه ويناجي ربّه ، يعجبه من اللباس ما خشن ومن الطعام ما جشب ، وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويأتينا إذا دعوناه ، ونحن واللّه مع تقرّبه لنا وقربه منّا لا نكاد نكلّمه هيبة له ، يعظّم أهل الدين ويقرّب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله ، فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وهو قائم في محرابه قابضا على لحيته ، يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ، ويقول : يا دنيا غرّي غيري ، أبيّ تعرّضت أم إليّ تشوّقت ؟ هيهات هيهات قد تبّتك ثلاثا لا رجعة فيها ، فعمرك قصير وخطرك كثير وعيشك حقير ، آه من قلّة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق . فبكى معاوية وقال : رحم اللّه أبا الحسن ، كان واللّه كذلك فما حزنك عليه يا ضرار ؟ -