محمد سعيد الطريحي
72
الشيعة في العصر المغولي ( 932 - 1274 ه )
المراسيم بوجوب التسامح مع المذاهب كلها والعقائد كلها ، ولكي يقيم الدليل على حياده ، تزوج من نساء البراهمة ومن نساء البوذية ، ومن نساء المسلمين جميعا . وكان ألذ ما يمنعه بعد أن بردت في نفسه جذوة الشباب المضطرمة ، المناقشات الحرة في العقائد الدينية ، وضاق أكبر ذرعا بالانقسامات الدينية في مملكته ، وأفزعه الاحتمال بأن تؤدي هذه الديانات المتنافسة إلى تمزيق المملكة بعد موته ، فاستقر رأيه آخر الأمر على أن يكوّن منها ديانة جدية ، تضم أهم تعاليم العقائد المختلفة في صورة بسيطة ويحكى لنا المبشر الجزويتي هذا النبأ كما يأتي : « عقد اجتماعا دعا إليه كل رجال العلم البارزين والقواد العسكريين في المدن المجاورة ، لم يستثن أحدا إلا الأب « رد لفو » الذي كان من العبث أن ترجو منه شيئا غير مناصبة هذه الدعوة الدينية العداء ، فلما أن اجتمعوا جميعا أمامه ، خاطبهم بأسلوب سياسي ماهر ماكر قائلا : « إنه لمن الشر في إمبراطورية يحكمها رأس واحد أن ينقسم الأعضاء بعضهم على بعض وأن يتباينوا في الرأي . . ومن ثم نشأ في البلاد أحزاب بمقدار ما فيها من عقائد دينية ، وإذن فلزام علينا ان ندمج هذه العقائد كلها في دين واحد ، على نحو يجعلها كلها ممثلة في هذا الواحد ، وتكون الفائدة الكبرى التي يجنيها كل من هذه الديانات ، أنه لن يخسر شيئا من جوانبه الحسنة . ثم يكسب كل ما هو حسن في سائر الديانات ، وبهذا وحده نمجد اللّه ونهيئ للناس سلامة وللإمبراطورية أمنا » . ووافق المجلس مرغما ، فأصدر « أكبر » مرسوما يعلن نفسه رئيسا دينيا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهذه الرئاسة الدينية هي أهم ما أثرت به المسيحية على الديانة الجديدة ، وكانت هذه العقيدة الجديدة توحيدا يمثل التقاليد الهندية في التوحيد خير تمثيل ، مضافا إليه قبس من عبادة الشمس والنار مأخوذا من العقيدة الزردشتية ، وفيه عنصر شبيه بالذهب الجانتى في ايثاره للإمتناع عن أكل اللحوم ، وعدّ ذبح الأبقار كبيرة من الكبائر ، فما أشد ما اغتبط لذلك الهندوس ، وما أقل ما اغتبط له المسلمون ، وصدر بعدئذ مرسوم يجعل الاقتصار على أكل النبات إلزاما على الناس جميعا مدى مائة يوم على الأقل