محمد سعيد الطريحي

71

الشيعة في العصر المغولي ( 932 - 1274 ه‍ )

عنك هذه الأبهة الظاهرة المحيطة بي ، وقل لي كيف أطيب بالا ، في مثل هذا اليأس ، إذا ما حملت عبء الإمبراطورية ؟ إني لأرقب ظهور رجل حصيف ذي مبدأ ليزيح عن ضميري هذه المشكلات التي يتعذّر على حلها . . . إن الحديث في الفلسفة يفتنني فتنة تصرفني عن كل ما عداها ، وإني لأنصرف عن سماعها رغم أنفى حتى لا أهمل واجباتي التي تقتضيها أمور الساعة » ويقول بادوني : « كان يحجّ إلى قصره طوائف العلماء من كل أمة ، والحكماء من كل ملة ومذهب ، وكانوا يظفرون لديه بشرف استماعه إليهم ، وإذا ما فرغوا من بحثهم وتقصّيهم اللذين كانا شغلهم الشاغل ومهمتهم الأولى ليلا ونهارا تحدثوا في مسائل عميقة في العلم ، ونقط دقيقة في الوحي ، وأعاجيب التاريخ وغرائب الطبيعة ، ويقول « أكبر » : إن سيادة الإنسان تعتمد على جوهرة العقل . دعوى الدين الإلهي : ولما كان فيلسوفا فلا عجب أن يأخذه شغف شديد بالدين ، فقد أغرته قراءته الدقيقة لملحمة « ماهابهارات » ودراسته الوثيقة لشعراء الهنود وحكمائهم بدراسة العقائد الهندية ، ولبث حينا - على الأقل - يؤمن بمذهب التناسخ ، وخيّب فيه ظن أتباعه من المسلمين حين ظهر على الملأ بعلامات دينية هندية على جبهته ، فقد كان له شغف بملاطفة أصحاب العقائد كلها ، لذلك تودد إلى الزرادشتين بأن لبس ما يلبسونه من قميص ومنطقة مقدستين تحت ثيابه ، وانصاع للجانتين حين طلبوا إليه أن يمتنع عن الصيد ، وأن يحرم قتل الحيوان في أيام معلومة ، ولما سمع بالديانة الجديدة المسماة بالمسيحية ، التي جاءت إلى الهند مع بعثة « جوا » البرتغالية ، ارسل خطابا إلى هؤلاء المبشرين التابعين لمذهب بولس ، يدعوهم أن يبعثوا له باثنين من علمائهم ، وحدث بعد ذلك أن قدم جماعة من الجزويت مدينة دلهي ، وحبّبوه في المسيح حتى أمر كتابه ان يترجموا له العهد الجديد وأباح لهؤلاء الجزويت كل حرية في أن ينصروا من شاءوا بل عهد إليهم بتربية أحد أبنائه ، وفي الوقت الذي كان الكاثوليك يفتكون بالبروتستنت في فرنسا ، والبروتستنت - في عهد اليصابا - يفتكون بالكاثوليك في إنجلترا ، ومحاكم التفتيش تقتل اليهود [ والمسلمين ] في أسبانيا وتسلبهم أملاكهم و « برونو » يقذف به في النار في إيطاليا ، كان « أكبر » يوجه الدعوة إلى ممثلى الديانات كلها في إمبراطوريته ليعقدوا مؤتمرا ، وتعهد لهم بحفظ السلام بينهم وأصدر