محمد سعيد الطريحي

70

الشيعة في العصر المغولي ( 932 - 1274 ه‍ )

المصورين والمهندسين المعمارين الذين كانوا يزينون ملكه ، وكان يزدرى الطباعة باعتبارها آلية تتجلى فيها شخصية الكاتب ، ولم يلبث أن استغنى عن العينات المختارة من الرسوم الأوروبية المطبوعة التي قدمها له أصدقاؤه من الجزويت ، ولم تزد مكتبته على أربعة وعشرين ألف كتاب ، لكن قيمتها بلغت ما يساوى ثلاثة ملايين وخمسمائة ألف ريال عند أولئك الذين حسبوا أن أمثال هذه الكنوز الروحية يمكن تقديرها بأرقام مادية ، وأجزل العطاء للشعراء بغير حساب ، وقرب أحدهم من نفسه - هو بربال الهندي - تقريبا جعله ذا حظوة كبرى في حاشية قصره ، وأخيرا نصّبه في الجيش قائدا ، فكان من نتيجة ذلك أن قام « بربال » بحملة حربية أظهر فيها عجزا شديدا ، وقتل في جو أبعد ما يكون الجو عن خيال الشعراء : وأمر « أكبر » أعوانه من الأدباء أن يترجموا إلى الفارسية - وقد كانت لغة قصره - آيات الأدب والتاريخ والعلم في الهند ، وراجع بنفسه ترجمة « الملحمة الخالدة » « ما ها بهاراتا » وازدهرت الفنون كلها في ظله وبتشجيعه . فشهدت الموسيقة الهندية والشعر الهندي في عهده عصرا من أعظم عصورهما وبلغ التصوير - الفارسي منه والهندي - مرتبة تالية في ارتفاعها للأوج بفضل تشجيعه وأشرف في « أجرا » على بناء الحصن المشهور ، وأمر أن يبنى بداخله خمسمائة بناء ، عدّها معاصرون من أجمل ما تراه العين في العالم كله ، وليس في مقدورنا أن نحكم عليها استنتاجا من آثار العمارة الباقية من عهد « أكبر » مثل مقبرة « همايون » في دلهي ، والآثار الباقية في « فتحبور - سكرى » حيث أقيم ضريح لصديق « أكبر » المحبوب ، الزاهد الشيخ سليم شستى ، وهو بناء ، من أجمل ما في الهند من بناء . ثم كان له اتجاه آخر أعمق من هذه الاتجاهات كلها ، وهو ميله إلى التأمل ، فهذا الإمبراطور أو شك أن يكون قادرا على كل شئ ، تحرق فؤاده شوقا إلى أن يكون فيلسوفا كما يشتهى الفلاسفة أن يكونوا أباطرة ، ولا يستطيعون ، أن يسيغوا حمق القدر في حرمانه إياهم ما هم جديرون به من عروش ، فبعد أن فتح « أكبر » العالم ، أحسّ شقاء نفسه لأنه لم يستطع فهما لهذا العالم الذي فتحه وقد قال : « على الرغم من أنى أسود هذا الملك الفسيح ، وزمام الحكومة كلها في يدي ، فلست مطمئن الفؤاد لهذه العقائد الكثيرة والمذاهب المختلفة من حولي ، ما دامت العظمة الحقيقية كائنة في تنفيذ إرادة اللّه ، فدع