محمد سعيد الطريحي

69

الشيعة في العصر المغولي ( 932 - 1274 ه‍ )

تعرف حدودا بل إنه كثيرا ما ذهب في هذه الفضيلة حتى جاوز بها حدود الحكمة « وكان كريما ينفق الأموال الطائلة إحسانا ، أحبه الناس جميعا ، وخصوصا الطبقات الدنيا ، فيقول عنه مبشر جزويتي « إنه كان يتقبل من أهل الطبقات الدنيا عطاياهم الحقيرة بوجه باسم ، فيتناولها بيديه ويضمها إلى صدره ، مع أنه لم يكن يفعل ذلك مع أفخر الهدايا التي كان يقدمها له الأشراف ، وقال عنه أحد معاصريه إنه كان مصابا بالصرع ، وروى عنه كثيرون أن داء السوداء كثيرا ما كان يستولى عليه إلى درجة تسود معها نظرته إلى الحياة اسودادا مخيفا وكان يشرب الخمر ويأكل الأفيون في اعتدال ، ولعله فعل ذلك ليكسب واقع حياته المظلم شيئا من البريق ، ولقد كان أبوه كما كان أبناؤه يشربون الخمر كما شربها ويأكلون الأفيون كما فعل . لكنهم لم يكونوا يشبهونه في ضبطه لنفسه وكان له حريم يتناسب مع سعة ملكه ، فيروى لنا أحد الرواة « إن له في « أجرا » وفي « فتحبور - سكرى » - هكذا يروون بصيغة الصدق - ألف فيل وثلاثون حصانا وألف وأربعمائة غزال وثمانمائة خليلة لكنه لم يكن له فيما يظهر شهوات حسية ولا ميول تدفعه إلى الانغماس فيها ، نعم إنه أكثر من زوجاته ، لكنه كان زواجا سياسيا ، فكان يتودد إلى أمراء الراجبوت بزواج بناتهم ، وبهذا كسبهم في تعضيد عرشه ، وأصبحت الأسرة الحاكمة المغولية من ذلك الحين نصف وطنية فيما يجرى في عروقها من دماء ، ولقد أعلى رجلا من أسرة راجبوت حتى نصبه قائدا أعلى لجيشه ، كما رفع أحد الراجات إلى منصب كبير وزرائه ، وكانت أمنيته التي يحلم بها أن يوحد الهند . لم يكن ذا عقل واقعي دقيق له برودة النطق كما كان لقيصر أو نابليون بل كان يترع بعاطفته نحو دراسة الميتافيزيقيا ، ولو أنه خلع عن عرشه لكان من الجائز أن يصبح صوفيا معتزلا ، كان لا يكف عن التفكير ولا ينقطع عن اختراع الجديد واقتراح الإصلاح لما هو قائم ، وكان من عاداته مثل هارون الرشيد أن يمشي بالليل متنكرا ، ثم يعود إلى مأواه وهو جياش الصدر برغبة الإصلاح ، واستطاع وسط هذه المناشط الكثيرة أن يفسح بعض الوقت لجمع مكتبة عظيمة تتألف كلها من مخطوطات جميلة الخط والنقش ، دبجها له نساخون بارعون كانت لهم عنده مترلة الفنانين ، فهم في عينه لا يقلون مكانة عن