محمد سعيد الطريحي

109

الشيعة في العصر المغولي ( 932 - 1274 ه‍ )

العلماء في بلاطه فأخذ بقية العلماء يخطبون وده والاستفادة منه ، لكنه ما كاد أن أطمأن إلى ثقة الإمبراطور به وبعلمه ومعرفته بتسامحه المعهود في معاملة جميع أصحاب الديانات فضلا عن بقية أتباع المذاهب الاسلامية ، فكان ان قرّب فئة من علماء المذهب الامامي الشيعي ، ثم كان لا يأبه بجواب سائليه بأمر فتاواه بحسب مذهب السائل وما هو أدنى لمعرفته وأفضل مسلك لحل مشكلته فزاد بذلك تعظيم العامة لأمره وهو مع ذلك مشتغل بالتدريس والإفادة ، والمناظرة والمساجلة ، وهذا ما أثار حقد بعض ضعاف النفوس من علماء وقته ، فأخذوا يكيدون له كيد الشياطين ، ويوصمونه بكل شين ، كونهم قد تبين لهم تشيعه ، وأخذه بمذهب أهل البيت عليهم السلام ، وهو الذنب الذي لا يغتفر لدى هؤلاء النفر النواصب المتعصبين ، ومن هؤلاء عبد القادر بن ملوك شاه البدايوني الذي طالما غمز في تاريخه أهل الشيعة رغم اعترافه بعلميتهم وورعهم لكنه لا يفتأ بعد قليل الا ويكيل التهم بلا ورع ولا دين ولا أخلاق جريا وراء تعصبه الذميم ، وانظر لما ذكر عن المترجم له في بداية سطوره ثم انظر ماذا يختم به حديثه من التهم الباطلة ، وأمثال هؤلاء في التاريخ كثير وخاصة لدى أصحاب التراجم منهم واسبق منه الخطيب البغدادي ، والذهبي وأمثالهما ممن ابتلي بهم شيعة أهل البيت عليهم السلام ، وهذا ما قاله البدايوني في تاريخه : إنه كان ذا أطوار مختلفة ، لحق بالمهدوية وصحب الشيخ علاء بن الحسن البيانوي مدة مديدة ، فلما شاعت الطريقة النقشبندية في أوائل عهد أكبر شاه صار يقتفى آثار تلك الطائفة العلية ، وكان ينتسب إلى المشايخ الهمدانية ، ولما رأى أن أهل إيران غلبوا ونالوا في الدولة أعز منال صرف إليهم عنان العزيمة . وكان عالما كبيرا بارعا في الفقه وأصوله عارفا بدقائق العربية ماهرا بالتصوف والشعر واللغز وفنون أخرى ، وكان يقرأ القرآن بالقراءات العشر ويدرس « الشاطبي » ، وكان كثير المطالعة دائم الاشتغال بالدرس والإفادة سريع الإدراك قوى الحفظ لم يكن يحفظ شيئا فينساه ، ولما ضعف بصره لكبر سنه وعجز عن المطالعة اشتغل بتفسير القرآن وصنف تفسيرا كبيرا في أربع مجلدات كبار سماه « منبع نفائس العيون » ، واظب في آخر عمره على التائية لأبن الفارض ، وقصيدة البردة للبوصيري ، وقصيدة كعب بن زهير ، وقصائد أخرى كانت محفوظة له فيقرأها كل يوم عن ظهر قلب .