فؤاد ابراهيم
92
الشيعة في السعودية
بالتحقيق في صحة الأفكار وسقمها بقدر ما ينبري لتسجيل شهادات من صنعوا أحداثه الكبرى وتحولاته الحاسمة ، وهذا وحده كفيل بأن يهب للأفكار المصاحبة لها رداء طقسيا زاهيا . فحتى العقائد الفاسدة ، في نظر بعضهم ، تنجح في تغيير وجه التاريخ ، بل تدخل فيه . ومن الخطأ الفادح تصوّر أن انحلال الأفكار ناشىء عن ضعفها التكويني فحسب ، فالواقع يدحض بقوة مثل هذا التصوّر ، فقد حققّت أشدّ الأفكار انحطاطا وعبثية أكبر الانتصارات في التاريخ ، ولكن ليس ذلك على وجه الحتمية التاريخية . فالعدل سيظل وحده مرشدا للبشرية ، وإن ما تخفق العقائد الايمانية الطهرانية في إنجازه ، لا يقدّم أدنى دليل على أن حركة التاريخ تتقرر وفق رؤية عقلانية واعية ، بل هي القوة الغاشمة كثيرا ما تفرض قوانين تلك الحركة . ولا شك ، وفق هذا المنظور ، أن السياسة تلعب دور الرافعة للمعتقدات ، وأن العلاقة بينهما تظل مصيرية في أحيان كثيرة ، فالرجال الطامحون إلى تفكيك المعادلة السياسية القائمة ، كما هو شأن رجال السلطة ، بحاجة إلى أيديولوجيا مشرعنة ، تماما كما أن الأيديولوجيات تحصّن نفسها عن طريق آليات حماية لا يقدر على تصنيعها غير الساسة . إن نجاح غالبية المعتقدات الوضعية والسماوية يردّ إلى حصولها على جرعات مناعية يؤمّنها المناضلون في ميدان السياسة كي تبقى حية ومؤثرة ، ولا يمكن معتقدات أن تضمحل إلا بعد أن يهوي نجم الكتيبة الدفاعية التي تتحمل مهمة الفداء والتضحية . في إلقاء ما سبق على التشيّع ، لا بوصفه نصا علويا ، وإن كان العلوي منه يمثّل المركزي فيه ، ولكن التشيّع المقصود به هنا هو السجل المفتوح لمجمل النشاطات المدرسية والطقسية ، والتراثية ، والفكرية المتراكمة عبر قرون طويلة . إن الحمولة الكاملة للسجل تفيد بأن ثمة تاريخا طويلا من الاستقالة عاشه الشيعة في استجابة لوطأة الأفكار العقدية المتشكّلة في الفترة اللاحقة مباشرة للغيبة الكبرى المؤرخة شيعيا عام 329 ه ، وهي مرحلة تمثّل نقطة انطلاق كبرى في حركة أفكار الشيعة حتى وقت متأخّر . ويعود هذا الاندكاك التام في مرحلة الغيبة إلى سطوة المعتقد الإمامي . ولأن التراتبية الدينية تتطلب نسيجا فريدا للعلاقة