فؤاد ابراهيم

65

الشيعة في السعودية

فالنجاح الباهر في توحيد منطقة نجد نتيجة تأثير العامل الديني لم ينسحب إلى المناطق الأخرى ، حيث كان لهذا العامل مفعول سلبي وبالأحرى تقسيمي ، إذ إن الاستعمال الكثيف للخطاب الديني بالعنفوان نفسه المشحون بداخله ، والذي تدين له نشأة الدولة ، لم يقلل من حدّته كيما يفسح في الطريق أمام مشروع الوطن أن يرسي أسسه مستمدا مكوّناته من المجموعات الجديدة التي ألحقت بالدولة الناشئة . ما جرى في واقع الأمر هو أن مكوّنات الخطاب ما قبل التأسيس وبعده ، ظلت متماسكة وناشطة محتفظة بطاقتها التحريضية كاملة ، وإذا كانت هذه المكوّنات صالحة في إقامة الدولة ، فإنها حتما أخفقت في صنع وطن ، لأن المرحلة الأولى تطلبت إنشاء مجتمع مضاد ينشق عن المجتمع السائد ليتم الانقضاض عليه من أجل تأسيس الدولة ، ولكن في مرحلة بناء الوطن ، اقتضى الأمر شروطا جديدة وعوامل مختلفة من أجل الشروع في عملية إدماج واسع النطاق كيما تلتقي الدولة بالوطن . وما زالت ، الدولة إلى اليوم ممثلة في جهاز إداري يستحوذ فيه العنصر النجدي على نسبة 78 في المئة ، في حين تتمثل فيه الحجاز بنسبة 17 في المئة وللمناطق الأخرى 5 في المئة فقط « 19 » . وهنا نستعيد ما قاله أدغار موران حول تضافر عنصري التملّك الاحتكاري للحقيقة والضبط الاستبدادي لكل قطاعات المجتمع وأجزائه ، حيث ينتج بتفاعلهما معا نسج وجه السيطرة الجديدة من جانب الجهاز المنتج ذاتيا « 20 » . وفي سياق الانشغال الحثيث بمركزة الدولة في تواصل مع تهميش سياسي للأطراف الملحقة ، تطرح مسألة الهوية الشيعية . فالجماعة الشيعية انتبذت مكانا قصيّا في البناء الاجتماعي للدولة ، كردّ فعل على الإحساس بالخطر الأيديولوجي بدءا ، ثم التحم بمشاعر الانزواء نتيجة العزل السياسي المنظّم ، لينجم في وقت لاحق عن انفصال جماعي نفسي وثقافي وسياسي داخل الدولة لجماعة وجدت نفسها ضحية حرمان سياسي واضطهاد

--> ( 19 ) محمد بن صنيتان ، النخب السعودية : دراسة في التحولات والاخفاقات ، مركز دراسات الوحدة العربية ، ( بيروت ، 2004 ) ، ص 176 ( 20 ) أدغار موران ، مقدمات للخروج من القرن العشرين ، ترجمة أنطون حمصي ، ( دمشق ، 1993 ) ، ص 201