فؤاد ابراهيم
59
الشيعة في السعودية
قد تحرّك الطبقة الحاكمة في النجدي إحساس الخطر من زوال تفوّقه وتميّزه لمصلحة من يقبعون خارج المركز ، المتطلعين بشغف نحو إعادة توزيع السلطة والثروة ، وبناء الدولة على أسس جديدة تكفل العدل والمساواة للجميع ، ولسان حالهم ، أن بقاء التفاوت المناطقي على قاعدة سياسية واقتصادية وفكرية يصب في مصلحة من يقفون الآن في معسكر المطالبين بالإصلاح السياسي . وقد تدفع الدولة باتجاه فتح ملف التقسيم الطائفي ، وتحريك مجموعات مسكونة بالهمّ الطائفي لإشغال الساحة المحلية بقضية الخلافات المذهبية . فالطائفية كانت وما زالت أمضى سلاح وأسهله في الوقت ذاته ، ومنذ قيام الدولة أدّت الطائفية دورا تمزيقيا خطيرا ، وأسدت للطبقة الحاكمة أكبر خدمة مزدوجة ، فقد ساهمت في تقسيم المجتمع ، ولكنها في الحين نفسه حققت أكبر اصطفاف داخلي في مركز السلطة . ولم تكن الدولة بحاجة إلى بذل جهد كبير من أجل تعبئة المتطيّفين للدخول في حرب طائفية على هذا المذهب وذاك ، فالمناخ العام يتلبّد بالفكرة الطائفية ولا يحتاج إلى أكثر من خطبة ، أو فتوى ، أو رسالة من أجل إشعال الفتيل . وحتى في هذا الوقت الذي تتبنّى الدولة قضية الحوار الوطني ، هنالك جهات من داخل الدولة تنزع إلى استدراج المجتمع إلى المستنقع الطائفي ، والإبقاء على نشاطية الفكر التقسيمي على قاعدة مذهبية . وبذلك يمكن الدولة أن تحمل خطابا ملتبسا ولكنه ذو غاية مزدوجة ، فبإمكانها دفع تهمة الطائفية عن نفسها من خلال رفع لواء « الحوار الوطني » ، ومن جهة أخرى الاحتفاظ بأصول اللعبة التقسيمية في الداخل من خلال إقناع التيار الديني المتطيّف بالعقيدة التنزيهية التي ترى في محاربة الآخر ومنابذته وحيا من السماء . بل ثمة ما يخشى منه ، وهو أن ما قد يحدث تحت راية الحوار الوطني من ممارسات طائفية أكبر وأخطر مما جرى في فترات سابقة عندما كانت الممارسة الطائفية شبه علنية . إن زوال مبررات الحرب الطائفية في الخارج قد لا يعني إطفاء محركاتها في الداخل ، فمن ضرورات الدولة أن تبقي على قسمة المجتمع ، طوائف ، ومناطق ، وقبائل . إن مكوّنات الدولة الأيديو لوجية تتطلب الإبقاء على هذه القسمة في أشكالها المختلفة .