فؤاد ابراهيم
58
الشيعة في السعودية
إن نشاطات كهذه لم تكن في السابق مدرجة في جداول أعمال أيّ من القوى السياسية والفكرية . فقد كانت البيانات والعرائض تصدر تعبيرا عن كل جماعة بعينها ، وتنطق عن أفكار وأهداف تيار محدد ، إلا أن المشهد السياسي قد تبدّل كثيرا منذ حرب العراق ، وتم إعلانه مطلع العام 2003 ، حين أصبحت غالبية القوى السياسية تنزع نحو الانضواء في إطار عمل جمعي ، تتوحد فيه المواقف ، والأصوات والمطالب ، ونجحت القوى السياسية والفكرية نجاحا ملحوظا في تكييف تطلعاتها مع المطلب العام الشعبي الذي يساهم في إخراج الدولة من أزمتها المستفحلة ، وهنا يكمن مصدر القلق لدى الطبقة الحاكمة . وليس جديدا القول إن ما جمع المختلفين لم يكن مصادفة بحت ، بل ثمة عوامل عدة ساعدت على توليد مشاعر داخلية لدى أفراد هذه القوى قد تفصح عن نفسها على هذا النحو : إن زمن الحلول المجتزأة والاستثنائية قد أدبر ، وأن الجميع يواجهون أزمة على مستوى الوطن ، وباتوا كلهم يشعرون أنهم في قارب واحد ولا نجاة لأحد إلا بجهد جماعي . وهذا ما يفسّر تلقائية الاندفاع لدى أقطاب القوى السياسية الفاعلة على الساحة المحلية ، إذ لم يتطلب العمل المشترك جهدا خارقا وتفاهمات شديدة التعقيد من أجل صوغ رؤية إصلاحية وطنية تكون مورد إجماع ، بل كان ضغط الإحساس بالحاجة إلى عمل ما كفيلا بتعبيد طريق سهل كي يلتقي الطيفان السياسي والفكري عند نقطة بداية موحّدة . لم يرق الطبقة الحاكمة أن ترى المنقسمين على يدها يعيدون توحيد أنفسهم ، وكيف أن وحدتهم موجّهة هذه المرة ضدها . ففي ذروة سطوتها كانت تراهم أشتاتا ، وقد كانوا كذلك ، أما الآن وهي في انفراط عراها وهزالها ، تراهم متوحّدين ، فلا بد أن يخلخل هذا المتغيّر المنظومة السياسية برمّتها . لقد تحرّكت جهات عدة في الدولة كي تعيد القسمة إلى سابق عهدها ، وتفصل بين المتوحدين الجدد ، باسم الإقليم ، والمذهب ، والقبيلة . ولم تعد سرا لغة التقسيم التي درجت الطبقة الحاكمة على استعمالها ، فعنوانها العريض إخافة الكل من الكل ، وتشكيك الكل في الكل ، من أجل السيطرة على الكل . إنها معزوفة تقسيمية باتت معروفة لدى القاصي والداني في بلد لم ينشأ إلّا على القسمة بين أجزائه .