فؤاد ابراهيم

21

الشيعة في السعودية

والسيكولوجي للسكان ، بل هناك المكوّن القبلي والعائلي الذي يمثّل مضخا ثقافيا نشطا ويسهم في صوغ هوية نهائية للمنتمين إلى هذه القبيلة أو تلك ، يعكس ذلك أولا الاعتزاز المتنامي وسط أفراد هذه القبيلة مقابل غيرها ، ثم في الصراع القبلي الذي يصل أحيانا إلى استعمال القوة السافرة بينها من أجل تأكيد غلبة قبيلة على أخرى ، وكذلك عزّتها ووجودها ومن ثم شعورها بالتفوّق . وتمثّل المناطق التي تتشكل منها الدولة السعودية حاضنات ثقافية واجتماعية وتاريخية لجماعات متعددة ، فالحجاز بثقله الديني وموروثه الثقافي والتاريخي يمثّل شخصيّة جغرافية مستقلة عن غيره ، كما أن المنطقة الشرقية بتراثها التاريخي وثقلها الاقتصادي والتحدّرات الاجتماعية والدينية لأهلها وتقاليدهم وعاداتهم يميّزها من منطقة نجد بموروثها القبلي وسجلها الاجتماعي والثقافي والسياسي ، وقس على ذلك مناطق الجنوب والشمال ، فكل واحدة من هذه المناطق تمثل مكانا ذا خصائص مختلفة . إن اللون الفقهي العام أو حتى اللون العقدي الذي يصبغ المذاهب السنّية والشيعية ، قد يخفي إلى مدى كبير الأصول الاجتماعية للسكان ، ولكنه لا يقلل من قيمة تلك الأصول وعمقها ، كما تعكسه التموقعات المذهبية اجتماعيا ومناطقيا . وهذا يلمح إلى أن العامل الديني ليس وحده الحاسم في تقاطيع الخريطة السكانية بل ثمة عوامل أخرى اجتماعية ومناطقية تسهم مساهمة غير مباشرة في تعزيز مشاعر الانتماء والخصوصية والاختلاف . فارتباط المذاهب بمناطق وتشكيلات اجتماعية معيّنة يؤكد طبيعة التمايزات داخل التركيبة السكانية ، ويعزز الحاجة إلى بلورة سياسات تأخذ في الاعتبار تلك الحقيقة التي تفرض نفسها بإلحاح شديد في التخطيط السياسي والاقتصادي للدولة السعودية . هذه الصورة التشريحية العامة للدولة في السعودية تستحضر طبيعة الدولة ومكوّناتها وأسس أيديولوجيتها . وسنحاول في مقابل تلك التوزيعات المناطقية والإثنية والمذهبية استدعاء صورة الدولة نفسها في بعديها التكويني والتشريعي ، بغية عقد مقارنة بين الحقيقة والواقع ، وتشخيص مكامن الأزمة ومتى يجب أن تكون بداية الحل .