فؤاد ابراهيم
22
الشيعة في السعودية
وسنحاول البدء من نقطة انعطافية في مسار الدولة ، كونها تلفت إلى اعتراف الحكومة بفشل المنهج المعمول به طوال عقود خلت منذ تأسيس الدولة . فالنزوع المتأخّر إلى نشر ثقافة وطنية في صفوف السكان في السعودية يعكس إلى حد كبير الإحساس المتزايد لدى المسؤولين بأن السياسات العامة التي انتهجتها الدولة فشلت في بناء مجتمع متجانس يمثّل الركن الآخر الموازي والمساند للدولة . فمنذ أكثر من عقد من الزمن ، أولت العائلة المالكة موضوع الهوية الوطنية في السعودية اهتماما خاصا ، وقد تزامن ذلك مع برنامج وطني موجّه أقرّته الحكومة عام 1996 وكان هدفه بحسب جوزيف نيفو ( 1998 ) ، « تعزيز موقع الحكومة ومشروعيتها » . وعلى أية حال ، فإن برنامجا كهذا لم يكن تعليميا تماما ، بل هو انعكاس لأزمة عميقة داخل الدولة . فهناك قلق بدأ يتنامى وسط النخبة الحاكمة في السعودية يمكن ترجمته في صيغة أخرى ، وهو استشعار ضرورة تأكيد ولاء السكان للعائلة المالكة . فمنذ بدء الانتعاش الاقتصادي عام 1974 ، وطوال عقدين لاحقين لم يكن موضوع الهوية الوطنية يفرض نفسه بإلحاح على العائلة المالكة ، ومن ثم لعب المال دورا معرقلا في مشروع الاندماج الوطني في بعده السياسي حصرا ، عندما لجأت الحكومة إلى ضخ بلايين الريالات في مجال تقديم المساعدات المالية وتوفير فرص عمل وتعليم مجاني وخدمات صحية وقروض بدون فوائد . وكانت الحصيلة النهائية من تلك العملية ، أن نجحت الحكومة ومؤقّتا في تأجيل الحاجة إلى صوغ هوية وطنية حقيقية وإلى تحقيق عملية دمج وطني للطيف الواسع من الفئات الاجتماعية والدينية . وأدّى العامل الاقتصادي إلى مدى معيّن ، دورا في ترسيخ ولاء استثنائي للعائلة المالكة ، وقد عزّز ذلك العامل أيضا دور الحكومة المركزية . ولكن ، الضغط الاقتصادي وتراكم العجز السنوي المزمن في الموازنة العامة ، وتدهور المستويات المعيشية للسكان ، ذلك كله آذن بنهاية دولة الرفاهية ، ودفع إلى السطح أزمة الدولة العميقة المترجمة في ظهور أشكال متطورة وخطيرة من الجريمة الفردية والجماعية ، وأشكال مختلفة من السخط الاجتماعي والسياسي كتعبير عن التآكل السريع للولاء للعائلة