فؤاد ابراهيم
128
الشيعة في السعودية
السياسية أفضى إلى إغلاق الأفق المستقبلي للتشيّع ، وكان من الضروري أن يدفع انحسار الوهج السياسي أو توقفه عند نقطة ما يبعث سؤال المستقبل . وعلى أية حال ، ليس مطلوبا من التشيّع أن يفكّ ارتباطه بالسياسة ، إذ سيظل حاضرا كأيديولوجيا سياسية ، بل منتجا لأفكار سياسية كما يغذي أفكارا سياسية معقدة ، بل هو نفسه قد يصبح قوة سياسية مؤثرة في الحياة . وثمة كلمة تنبيهية عن دور العراق المعزول عن المحيط الثقافي الشيعي مدة تزيد على العقدين ، إذ يخشى أن ينكص العراق بالتشيّع إلى نقطة بداية سابقة ، ويخشى أن يعود ليلعب دورا تعويقيا لمشروع التجديد الذي بدأ بالانتعاش في أجزاء مختلفة من إيران والخليج ولبنان . فعراق اليوم يعيش مرحلة إعادة بناء ليس لمؤسسات الدولة ومكوّنات الأمّة فحسب ، ولكن لمؤسساته الثقافية والدينية ، ويفرض عملا دؤوبا من أجل رفع منسوب الوعي الثقافي وإصلاح أجهزة الفعل الفكري المتآكلة . إن تفوّق العراق الشيعي عدديا ورمزيا يلزم أن يحول دون إغرائه للعب دور فكري في المرحلة الراهنة ، فهو اليوم بمسيس الحاجة إلى استيعاب الأفكار الشيعية الجديدة في المناطق المجاورة له ، قبل أن يقحمه الانتصار السياسي في أتون عملية إنتاج فكرية ستظل مهما بلغت خارج نسق الحراكات الشيعية والمراكمة الفكرية على امتداد عقدين من الزمن . مع التذكير بأن موقع العراق لا يمكن أن يشغله غيره ، ولكن بعد إنهائه عملية إعادة التأهيل الضرورية لمجمل أدواته المعرفية والعلمية . وقد يصلح ما سبق للإشارة إلى أن تجربة المرجع الشيعي الأعلى في العراق السيد علي السيستاني لا تنتمي إلى حركة الأفكار الشيعية في تسلسلها التاريخي . فهي تستعير عناصر متنوعة وربما متضادة حينا ومتوافقة حينا آخر ( تشيّع تقليدي ، ولاية الفقيه ، فكر سياسي حديث ) ، برغم التحصين الفقهي الذي يقوم عليه موقفه السياسي . فالسيستاني ، شأنه شأن الفقهاء المنخرطين في العمل السياسي ، يعتصم ببراغماتية سياسية مستندة إلى معطيات الواقع أكثر من كونها مندكّة بصورة شبه تامة في المجال الفقهي المحض . فمواقف