فؤاد ابراهيم
114
الشيعة في السعودية
وتلفت تجربة لجنة الدفاع عن النجف التي ظهرت في بيروت في نهاية الستينيات من القرن العشرين ، إلى أن ثمة توقا متناميا لدى المرجعية الشيعية الممثلة في السيد محسن الحكيم والرهط الديني المتحلّق حوله ، إلى ترسيخ الحدود الفاصلة بين مركز المرجعية والسلطة . فقد ذكر تقرير اللجنة الآتي : « إن تقاليد المرجعية الدينية العليا تقضي بالانفصال التام والاستقلال المطلق عن السلطة الحكومية ، وتقضي - نتيجة لذلك - بأن المرجعية ليست ملزمة بمساندة السلطة الحكومية في مواقفها وسياساتها المحلية والخارجية ، وليست ملزمة أيضا بتبرير مواقف السلطة الحكومية في الداخل والخارج » . في المقابل يضيف التقرير « تقضي تقاليد المرجعية الدينية العليا بتوجيه النصح والإرشاد إلى الجهات الحكومية حول بعض التصرفات والمواقف كما تقضي بإعلان الاستنكار والاحتجاج على بعض السياسات والمواقف الأخرى وطلب الكفّ عنها » « 36 » . وفي هاتين الفقرتين ، تكثيف واف وبالغ الوضوح للتقليد الديني الذي أرسته المرجعية الشيعية في العلاقة بالسلطة الحكومية ، والتي تفسّر بأنها تجسيد لإملاء شرعي يقضي بقطع مسافة احترازية عن الحكومات المصنّفة شرعيا برغم أنها مجروحة الشرعية إن لم تكن مسلوبة منها تماما . ثمة تجربة شاقة من التجاذبات الحادة والعسيرة بين المرجعية الدينية في النجف والسلطة السياسية في بغداد ، وقد دوّنت المرجعية نفسها بعضا من تلك التجربة . ولا شك أن تقاليد المرجعية الدينية ، والعلاقة المتوتّرة بينها وبين السلطة السياسية ، قد عكست نفسها على امتدادات التأثير الروحي والفقهي للمرجعية خارج الحدود ، وخصوصا في مجتمعات لا ترى إلا في المرجعية سبغة للشرعية ومصدرا لتبرئة الضمير الديني . يلفت ذلك إلى مسألة طرحت في العهد الصفوي : هل على الشيعة الراسخين تحت الحكم العثماني أداء الخراج إلى عمّال الخلفاء أم لا ؟ وكان جواب العلماء الدعوة إلى شرعية حكومة الخلفاء في أراضيهم ووجوب أداء الخراج .
--> ( 36 ) محنة العراق اليوم ، تقرير عن محنة الدين في العراق من لجنة الدفاع عن النجف في بيروت ، ( بيروت ، 1969 ) ، ص 3 وما بعدها