فؤاد ابراهيم
102
الشيعة في السعودية
يجازف بالمراجعة في تتبع الاختلالات في عمق الوعي العقدي ليس عليه الاحتراس وحسب من الحشود المرصوصة على قلاع المعتقد ، ولكن عليه أيضا أن ينظر ، قبل كل شيء ، إلى إمكان استنبات أفكار جديدة قادرة على مدّ جذورها في أرض تبدو مشغولة كلها تقريبا بالأفكار المضادة . فقبل انتقال التشيّع إلى عنصر متحرّك ومؤثر في المعادلة السياسية الداخلية وتاليا الدوليّة منذ مطلع ثمانينيات القرن العشرين ، كانت ثلة من المنظّرين الشيعة تعكف على تأجيج العناصر الراكدة في التراث الشيعي ، أملا في صنع خطاب تعبوي تحريضي يسوق الجماهير المحرومة للارتطام بمراكز السلطة وإطاحتها وتحقيق تطلعاتها . أما وقد أفلح التشيّع الحركي بتمظهره الشعبي في تسجيل حضور ساطع له في ساحة الفعل السياسي اليومي ، فإن حماسة التنظير والمراجعة قد خبت وربما خمدت ، وكأن مهمة التشيّع تلخّصت في إيصال معتنقيه إلى مرحلة الالتحام بالسلطة وإسقاطها وإقامة البديل السلطوي المنشود . وما يجعل مهمة التجديد صعبة هو أن التشيّع الشعبي أبرز الحاضنات الكبرى للتشيّع الحركي ، بل أهم تجسيداته ، ومنه يستمد رأسماله الجماهيري والرمزي . ولذلك فإن صانعي التشيّع الحركي يعقدون مصاهرة شفوية مع مفاتيح التشيّع الشعبي والمفاصل الكبرى فيه لأغراض سياسية محض ، ومن ثم فإن الأول أصبح مجبولا على توفير الغطاء الشرعي والقانوني للتشيّع الشعبي الذي يملك شبكة واسعة من قنوات تبليغية جماهيرية مثل الحسينيات والمساجد وحملات زيارة العتبات المقدسة ودور النشر الشعبي والتسجيلات الدينية ( الأناشيد ، الأدعية ، اللطميات ، العزاء . . . . ) . ولا غرابة حين يكون هذا التواطؤ مشفوعا بمصادر زخم متنوعة ، يصبح صاحب الصوت العذب ( أو ما يعرف ب الرادود ) رمزا شيعيا يضاهي في سطوع نجمه من أفنوا أعمارهم في طلب الحقيقة ، لا يقابله سوى لاعب كرة قدم في أوروبا لم يبلغ العشرين من العمر ، وقد تفتحت أمامه أبواب الثروة والشهرة في حين يكابد أستاذ الجامعة من أجل تسديد القسط الشهري لقرض سكنه .