هاشم معروف الحسني
56
أصول التشيع
وحينما يولد الطفل يبدأ بالتنفس واستنشاق الهواء ، وإذا تأملت خلق الجنين وجدت آيات القدرة والإبداع تطالعك في جميع خصائصه وجوانبه . من ذلك أن اللّه عز وجل ابتدعه من نطفة دقيقة لا يكاد الطرف يدركها بحيث لو اجتمعت نطف البشر الأحياء في العالم كله لو سعتهم جوزة صغيرة ، ثم أودع كل نطفة سماتها البدنية وخصائصها الموروثة مما تسبب في اختلاف البشر في الصور والأجناس والخصائص نتيجة لاختلاف صفاتهم الموروثة . فكيف اختلف البشر وتمايزوا كلهم من نطفة واحدة لا يتميز بعضها عن بعض وكيف احتشدت عوامل الوراثة في نطف الملايين من البشر فحفظت لكل إنسان سماته الخاصة به وخلاله الموروثة ، وكيف اتحدت خلايا الجنين في أطوارها ونتائجها ؟ فاستحال بعضها لحما وبعضها أعصابا وبعضها أوردة وشرايين ، وغدا بعضها عينا باصرة أو لسانا ناطقا أو أذنا واعية وكلها من مادة واحدة . وكيف اتفقت عناصر أبدان البشر في تركيبها من لحم ودم وأعصاب وما إلى ذلك من المواد الموجودة في كل إنسان ، ومع ذلك فقد اختلفوا في ألوانهم وسماتهم ومواهبهم وطبائعهم ، فكان منهم الأبيض والأسود والجميل والقبيح والذكي والبليد والكريم والبخيل وما إلى ذلك من الصفات والمواهب التي لا يتفق اشتراك شخصين اثنين في أكثرها فضلا عن جميعها . وفي هذا الاختلاف من الحكم والمصالح ما تعجز العقول والأفهام عن إدراك الكثير منها ، وهكذا تجلت حكمة اللّه عز وجل في حياتية الإنسان وجمال تصوره إذ أودع فيه من أسراره ما جعله آية فريدة لا يمكن للفكر مهما بلغ من السمو والكمال أن يتخيل صورة أبدع ولا أكمل منه في جميع ما فيه من صور ومواهب .