هاشم معروف الحسني

208

أصول التشيع

سبحانه إذا ابتلى عبدا من عباده لزمه الصبر لينال أجر الصابرين ، وإذا ظلم العبد فالعفو أقرب للتقوى واللّه مع المحسنين . ولم يكن الإمام عليه السّلام في هذا الأسلوب اللين يخاف على نفسه فحسب ، وإنما كان يعظه أحيانا بمثل هذا الأسلوب أو أشد منه خوفا على شيعته وبني عمه وعلى عامة المسلمين . فأطرق المنصور مليا ، ثم رفع رأسه ، وأدناه إليه وطيب نفسه ، ودعا له بالخير وأجلسه على سريره ، ومسح على لحيته بالغالية ، وأجازه بالأموال والهدايا النفيسة ، ثم ودعه بكل إجلال وإكبار ، وهكذا كان يصنع كلما استدعاه إليه . وذكر أبو نعيم في الحلية أن المنصور استدعى الإمام الصادق إليه يوما ، فأجلسه إلى جانبه فوقع الذباب على وجه المنصور ، ولم يزل يقع عليه حتى ضجر المنصور منه ، فقال يا أبا عبد اللّه وكانت كنية الإمام الصادق ، لم خلق اللّه الذباب ؟ فقال الصادق : ليذل به أنف الجبابرة ! فوجم المنصور وأصابه انقباض . ويروي الرواة أن المنصور استدعاه إليه يوما فعاتبه على قطيعته له وقال له : لم لا تغشانا كما يغشانا الناس ؟ فأجاب عليه السّلام ليس لنا من أمر الدنيا ما نخافك عليه ! ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوه منك ولا أنت في نعمة نهنئك بها ، ولا في نقمة فنعزيك . فقال المنصور : « تصحبنا لتنصحنا ! » فقال له الإمام : « إن من يريد الدنيا لا ينصحك ، ومن يريد الآخرة لا يصحبك » فلم يكن الإمام في عظته هذه من اللين ما كان في سابقتها . كان في عظته هذه كأنه صاعقة على أهل الباطل والظالمين ، وأهل الدنيا ، وكشف له في جوابه عن أن دنياه هذه ليس لنا فيها من نصيب ، لأنها تقطع الصلة بينك وبين أهل الآخرة وأوضح له في هذا الجواب بأن من يريد الآخرة لا يصحبك ، لأن أبوابها مغلقة دونك ، ولا سبيل لك ولأتباعك إليها ، ما دام الجور سبيلك والباطل منهجك ، والحق من وراء ظهرك .