هاشم معروف الحسني

207

أصول التشيع

أن انتهى عهد السفاح العباسي ، وجاء عهد المنصور الدوانيقي ورسالته تزداد اتساعا ، واسمه يسير في أرجاء دنيا الإسلام العريضة بأسرع ما يكون من الخطى ، فخافه المنصور واستدعاه إليه مرات عديدة ، وهو حاقد عليه . ولكن لم يجد السبيل إلى قتله ، لأن الملايين من المسلمين يأخذون عنه معالم الدين ، وكلهم يشهدون بأنه لم يفكر يوما من أيامه بأمر الخلافة ، فبماذا يعتذر إليهم إن قتله ؟ كما كان يصنع بالأقربين من أسرته الثائرين عليه . والإمام لم يخلع طاعة ، ولم يفارق جماعة المسلمين ، ولا حدث نفسه بأمر الخلافة ، لذلك فإن ما رواه بعض الرواة من أنه مات مسموما لا تؤيده النصوص القطعية وإن كان ممكنا . وجاء في التذكرة أن المنصور حج في سنة سبع وأربعين ، وبعد انتهاء الحج قدم مدينة الرسول ، فأمر وزيره الفضل بن الربيع أن يأتيه بجعفر بن محمد عليه السّلام وكان حاقدا عليه ، قال الفضل فتغافلت عن ذلك ، طمعا أن ينسى المنصور وتهدأ نفسه ، فأعاد علي القول ثانيا وثالثا ، فلم أر بدا من أن أستدعيه فلما جاءنا الإمام ، قلت له لقد أرسل إليك لأمر عظيم ، وما أظنك بناج منه ، فلم يكن من الإمام إلا أن قال : لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . ثم دخل على المنصور فسلم عليه ، فلم يرد السلام ، وقابله بما شاء له الحقد والحسد والطغيان والجبروت ، وقال له : اتخذك أهل الأمصار إماما يجبون إليك الزكاة ، وتلحد في سلطاني وتبغيه الغوائل ، قتلني اللّه إن لم أقتلك . فقال الإمام عليه السّلام : يا أمير المؤمنين ، إن سليمان النبي أعطي فشكر ، وأن أيوب ابتلي فصبر ، وأن يوسف ظلم فغفر ، فاقتد بأيهم شئت ! فلم يجد الإمام بدا من مقابلته بهذا الأسلوب اللين الهادئ الذي هو من أبلغ ما يمكن أن يكون في مثل هذه الحالات ومع ذلك فهو ينطوي على الموعظة البالغة لقد قصد الإمام بذلك أن يلفت نظره إلى أن اللّه إذا أنعم على عباده استحق شكرهم ، وأنت في أعظم نعم اللّه ، وليس من الشكر التنكيل بالأبرياء على الظنة والتهمة ، وإذا كنت تراني بلاء عليك فاللّه