هاشم معروف الحسني

192

أصول التشيع

مكة حيث يجتمع المسلمون فيها لأداء فريضة الحج . وفي تلك السنة كان الحج أكثر منه في غيرها ، وكثرت الوفود لتعرف ما يؤول إليه أمر الأمة ، في عهدها الجديد المظلم : وانعكفوا على الحسين يجددون العهد برسول اللّه . وفيهم الكثير ممن وعى حديث الرسول فيه وفي أخيه الحسن ولم يغب عنهم قوله : حسين مني وأنا من حسين . وكانت الكوفة أشد الأقطار الإسلامية نقمة على الأوضاع ، وتحفزا للثورة . وقد أذاقهم معاوية من قبل ألوانا من العذاب ، وهو المعروف عند الكثير من أتباعه بالحلم ، فماذا يكون حالهم إذا كان أميرهم هذا الأرعن الجبار الأحمق ؟ فاستغاثوا بالحسين ، وكتب إليه أكثرهم ، حتى اجتمعت عنده آلاف الكتب ، وفي جميعها يقولون ليس لنا إمام غيرك ، ولا سلطان علينا لسواك ، فرأى نفسه بإزاء أمر لا مفر منه ، ولا محيد عنه وملايين المسلمين يستغيثون به ، ويرونه المنقذ الوحيد من هذا السلطان الجائر . فظن أنهم رجعوا عن ماضيهم الأسود مع أبيه وأخيه ، إلى الطريق الواضح وتابوا للّه سبحانه من سوء صنيعهم ، ومع ذلك فلم يقذف بنفسه في ذلك التيار الهائج ، ولم يكن لتلك الكتب ولا لأصواتهم المتعالية بالاستغاثة ، ما يكفي بحسابه للركون إليهم والاطمئنان بصدقهم ، فأرسل إليهم ابن عمه مسلما ، وهو من خيرة قومه ، العارفين بتدبير الأمور وقيادة الجماهير ، ليستعلم له الحال ويستطلع له القلوب ، وزوده برسالة إلى أهلها يعلمهم فيها بقدومه عليهم ، إن كتب له سفيره بصدق نياتهم ، ومضاء عزيمتهم ، ورجوعهم عما سبق منهم مع أبيه وأخيه من قبل . فاحتفوا بمسلم ورحبوا بقدومه ، وبايعه الرؤساء والأتباع على الموت ، وبدأوا يجمعون الأموال والسلاح استعداد للوثبة على سلطان يزيد الجائر ، فلم ير مسلم بدا ، وقد رأى منهم الإيمان بهذه الدعوة ، والعزم على التضحية في سبيلها مهما كلفهم ذلك ، إلا أن يكتب إلى الحسين يعلمه عن نتائج رحلته ، وتماسك أهل الكوفة في أمرهم ، وعظيم ولائهم لأهل هذا البيت .