هاشم معروف الحسني

193

أصول التشيع

فاستجاب عند ذلك حسين عليه السّلام دعوتهم ، وخطب في مكة المكرمة في حشد من المسلمين فقال : إني لم أخرج بطرا ، ولا أشرا ، ولا مفسدا ، ولا ظالما ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي ، أريد أن آمر بالمعورف وأنهى عن المنكر ، فمن قبلني بقبول الحق فاللّه أولى بالحق ، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي اللّه بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين ، وتوجه على اسم اللّه وفي سبيل اللّه ، وهو يتلو قول ربه : وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ . ومنذ وصل إلى مقره الأخير من أرض العراق ، فوجئ بغدر أهل الكوفة وخيانتهم مسلما ، وقتله مع نفر من وجوه شيعته ، فحاول أن يرجع إلى مدينة الرسول ، أو إلى جهة أخرى من بلاد اللّه الواسعة ، فلم يتم له ذلك ، وأصبح بين أمرين إما أن يقاتل بتلك الحفنة القليلة من صحبه وولده وبني عمه وإما أن يستسلم لهم ويبايع ابن زياد ليزيد . أما البيعة فقد أعلن عن رأيه فيها يوم استدعاه الوليد حاكم المدينة ليلا بقوله : إن يزيد معلن بالفجور ومثلي لا يبايع مثله ، وكأنه يشير بذلك إلى شروط الخلافة الإسلامية وأن الخليفة حامي القرآن ، ونائب الرسول والمعني بقوله تعالى : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فلا بد وأن يكون رمز الدين لتجب إطاعته على الأمة ، أما إذا كان فحاشا لماظا ، كانت مبايعته ضلالا وكفرا ، فكان من المحتم أن يرفضها اليوم ، كما رفضها بالأمس ، فاختار القتال وهو يردد لا أرى الموت إلا سعادة ، والحياة مع الظالمين إلا برما . وإذا لم يكن من الموت بد * فمن العار أن تموت جبانا وهو يعلم أن يزيدا لا يتركه حيا ، ما دام يفكر أن في بقائه خطرا على عرشه ، وقد أشار في خطبته التي ألقاها في البيت قبل خروجه من مكة إلى ما سيكون من حاله فقال : كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات ، بين النواويس وكربلاء فيملأن مني أكراشا جوفا وأجربة سغبا .