مجموعة مؤلفين

72

نهج الحياة ( مجموعة بحوث ومقالات حول نهج البلاغه )

« اللَّه اللَّه في جيرانكم فإنها وصية نبيكم ، ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم » . « 19 » ز - قلت : أنه قد عرف الصداقة في نفسه وخبرها فلنستمع إلى وصاياه بصددها : لقد بالغ في طلب الحرص على الصديق الوفي حتى قال : « ولا يكن على مقاطعتك أقدر منك على صلته » « 20 » وأوصى بالبحث عن الرفيق قبل الطريق . وحمد الذين « يتواصلون بالولاية ويتلاقون بالمحبة » ودعا إلى عدم الكلفة بين الأصدقاء بقوله : « احبب حبيبك هونا ما ، عسى أن يكون بغيضك يوما ما ، وابغض بغيضك هوانا ما ، على أن يكون حبيبك يوما ما » « 21 » ولقد نتساءل كيف يشك الانسان في صديق وفي خبره فيحطاط في صداقته وكيف تستقيم صداقة مع تحوط . ولكنا لا يصعب علينا ان نعرف ما حمل الامام على قول ذلك فقد عانى من تقلب الأصحاب وانشقاق الاخوان ما عانى . ولعل هذا العناء هو ما دفعه - ولنقل ذلك ونحن بمعرض آرائه في الصداقة - إلى أن يقول : « الوفاء لأهل الغدر غدر عند اللَّه والغدر باهل الغدر وفاء عند اللَّه » « 22 » ان هذه الكلمة القوية ما كانت لتصدر من ذلك القلب الوادع المسالم لولا ان أصابته شظايا الغدر فثار . ح - دعا الامام إلى القصد في الحب والبغض وهذه الدعوة تذكرنا بدعوات له أخر تحث كلها على الاعتدال وعدم الاندفاع وليس أبلغ من قوله في الحدة انها « ضرب من الجنون لأن صاحبها يندم ، فإن لم يندم فجنونه مستحكم » « 23 » . وقوله : « اليمين والشمال مضلة ، والطريق الوسطى هي الجادة » ، « 24 » وقد أنذر بأنه

--> ( 19 ) ج 2 / 79 . ( 20 ) ج 2 / 56 . ( 21 ) ج 2 / 290 . ( 22 ) نهج البلاغة ج 2 / 201 . ( 23 ) ج 2 / 200 . ( 24 ) ج 1 / 56 .