محمد علي الحسن
278
المنار في علوم القرآن
أما طريقة مؤلفه في التفسير فإنه يذكر الآية ، ثم يفسرها بعبارة سهلة موجزة ، وإن أمكن توضيح الآية بآية أخرى ذكرها ، وقارن بين الآيتين ، حتى يتبين المعنى ويظهر المراد ، وهو شديد العناية بهذا النوع من التفسير الذي يسمونه تفسير القرآن بالقرآن ، وهذا الكتاب أكثر ما عرف من كتب التفسير سردا للآيات المتناسبة في المعنى الواحد . ثم بعد أن يفرغ من هذا كله ، يشرع في سرد الأحاديث المرفوعة التي تتعلق بالآية ، ويبين ما يحتج به وما لا يحتج به منها ، ثم يردف هذا بأقوال الصحابة والتابعين ومن يليهم من علماء السلف . ونجد ابن كثير يرجح بعض الأقوال على بعض ، ويضعف بعض الروايات ، ويصحح بعضا آخر منها ، ويعدل بعض الرواة ويجرح بعضا آخر ، وهذا يرجع إلى ما كان عليه من المعرفة بفنون الحديث وأحوال الرجال . وكثيرا ما نجد ابن كثير ينقل من تفسير ابن جرير وابن أبي حاتم وتفسير ابن عطية ، وغيرهم ممن تقدمه . موقفه من الإسرائيليات : ما يمتاز به ابن كثير في تفسيره أنه ينبه إلى ما فيه من الإسرائيليات ، ويحذر منها على وجه الإجمال تارة ، وعلى وجه التعيين والبيان لبعض منكراتها تارة أخرى . ومثال ذلك تفسيره لقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً . . [ البقرة : 67 ] إلى آخر الآيات نراه يقص لنا قصة طويلة وغريبة عن طلبهم للبقرة المخصوصة ، وعن وجودهم لها عند رجل من بني إسرائيل كان من أبر الناس بأبيه . . . إلخ ، ويروي كل ما قيل في ذلك عن بعض علماء السلف . . . ثم بعد أن يفرغ من هذا كله يقول ما نصه : « وهذه السياقات عن عبيدة وأبي العالية والسدي وغيرهم فيها اختلاف ، والظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل ، وهي مما يجوز نقلها ولكن لا تصدق ولا تكذب ، فلهذا لا يعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا . واللّه أعلم » « 1 » .
--> ( 1 ) ج 1 ص 108 - 110 .