محمد علي الحسن
204
المنار في علوم القرآن
ثم لما كان من شأن المتشابهين عجز الإنسان عن التمييز بينهما ، سمّي كلّ ما لا يهتدي الإنسان إليه بالمتشابه إطلاقا لاسم السبب على المسبب . مدلولهما الاصطلاحي : يجدر بنا قبل الحديث عن مدلول المحكم والمتشابه الاصطلاحي ، أن نسوق الآيات القرآنية الواردة في هذا الموضوع ، فآية تصف القرآن - كل القرآن - بأنه محكم ، وآية تصف القرآن - كل القرآن - بأنه متشابه ، وآية تصف القرآن بأنه منه المحكم والمتشابه . وبما أننا نعلم أن القرآن منزه عن التناقض ، فإننا نجزم أن هذه الآيات لا تناقض فيها ، بل لكل آية معنى سديد ودقيق يلحظ بالتأمل والتمحيص والتحقيق . فالآية القرآنية : الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ . . [ هود : 1 ] . تفيد إحكام القرآن كله آية آية ، وسورة سورة ، وتكاد كلمة المفسرين - قديما وحديثا - تجمع على معنى واحد لهذه الآية ، وإن اختلفت تعابيرهم ، فالطبري والرازي وأبو حيان يقولون : إن معنى أحكمت آياته : نظمت تنظيما رصينا لا نقص ولا خلل فيها كالبناء المحكم ، فمعنى أن القرآن كله محكم كونه كلاما حقا ، فصيح الألفاظ ، صحيح المعاني وكل قول وكلام فالقرآن أفضل منه في فصاحة اللفظ وقوة المعنى « 1 » . قال الطبري : أحكم اللّه آياته من الدخل والخلل والباطل . وكذلك نجد المعنى نفسه ، بل الألفاظ نفسها عند المفسرين المتأخرين . يقول الجمل في تفسيره الفتوحات الإلهية : ( كتاب أحكمت آياته ، أي : نظمت نظما متقنا لا يعتريه الخلل بوجه من الوجوه ) « 2 » . أما القاسمي فقال : ( أحكمت آياته نظمت نظما رصينا محكما معجزا لا يعتريه نقص ولا خلل لفظا ومعنى ) « 3 » .
--> ( 1 ) انظر تفسير ابن كثير وبحاشيته التفسير البغوي 7 / 236 - 237 ، ط المنار . ( 2 ) . 2 / 387 طبعة دار الاستقامة القاهرة . ( 3 ) محاسن التأويل 9 / 3408 .