محمد علي الحسن

191

المنار في علوم القرآن

وقد نجح جيل الصحابة - رضي اللّه عنهم - في تقديم أرفع النماذج الإنسانية ، في كل مجال . . . أما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، الذي قدمت لنا سيرته الشريفة أهم وسائل ذلك الإعداد التاريخي ، وألقت ضوءا على فهم مراحله ، فقد تجمع في شخصه الكريم كلّ تلك الصفات والجمالات الرفيعة ، وبلغ في كل واحد منها شأوا لم يبلغه أحد ممن فرغ له نفسه ، سواء أكان من الصحابة أم من غيرهم ، فكان بذلك رسول الإنسانية الكامل وملاذها الأخير صلّى اللّه عليه وسلّم . كان تشريع النسخ إذا جزءا من ذلك الإعداد التاريخي المرحلي ، أو وسيلة من وسائله البارزة . . . وبعد أن تم هذا الإعداد ، الذي قدم لنا الأنموذج أو المثال الأخير كما قلنا ، أصبحت الأمة الإسلامية مطالبة بالأحكام الأخيرة في البناء والإعداد ، وأصبح النسخ « واقعة تاريخية » لا يمكن ولا يعقل تكرارها مرة أخرى بعد قيام الجيل الأول ، وبعد أن تمت عملية الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام بصورة تطبيقية عملية ، أعطت أروع الأمثلة وأعمقها على « أن أحكام الإسلام ليست رؤيا مثالية في عالم الخيال . . . ولكنها حقيقة حية في دنيا الواقع . . . وبذلك البعد الهائل الذي ليس له نظير ، حتى كان مثلا يحتذى . نقول : أصبح النسخ واقعة تاريخية لا يعقل تكرارها ، كما لم تعد هناك ضرورة لتكرار الجزئيات المرحلية في تربية الشخصية المسلمة والأمة المسلمة . . . طريق معرفته : لا يصح القول في النسخ جزافا ، فلا يعتمد في النسخ على قول المفسرين ، ولا اجتهاد المجتهدين ، من غير نقل صريح ، لأن النسخ يتضمن رفع حكم ، وإثبات حكم تقرر في عهده صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمعتمد فيه النقل والتاريخ دون الرأي والاجتهاد كما قال ابن الحصار . هذا ما أوقع الكثير من العلماء في الخطأ ، فبمجرد ظهور شبهة التعارض يلجئون إلى القول بالنسخ في حين أن الجمع بينهما ممكن ، ولا شك أن الجمع هو الأولى من إهمال أحدهما . . . بل الجمع بينهما ولو من وجه من الوجوه أولى من