محمد علي الحسن

187

المنار في علوم القرآن

الحكم ينتهي بانتهاء وقته ، فلا يقال لهذه الغاية الدالة على انتهاء الحكم : إنها نسخ ، وذلك لاتصالها بدليل الحكم الأول ، وهكذا يقال في كل حكم مؤجل بأجل ، إذ لا يعني انتهاء أجله أنه نسخ . دليل مشروعية النسخ : جاءت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنّة وإجماع الصحابة بيّنة واضحة تدل على جواز النسخ ووقوعه . 1 - أما الكتاب : فقوله تعالى : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها . . [ البقرة : 106 ] . وقد فسرها جمهور المفسرين ، واستدل بها جمهور الأصوليين ، وهي من أقوى الأدلة على جواز النسخ . يقول إمام المفسرين ابن جرير الطبري : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أي : ما نبدّل من حكم آية فنغيره ، وذلك بأن يحوّل الحلال حراما والحرام حلالا ، والمباح محظورا ، والمحظور مباحا ، ولا يكون ذلك إلّا في الأمر والنهي ، والحصر والإطلاق ، والمنع والإباحة . . فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ . أما قوله : أَوْ نُنْسِها فمعناه نتركها فلا نبدّلها . وأما قوله : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها فمعناه : نأت بحكم خير لكم من حكم الآية التي نسخناها ، ولا شكّ أن الخيرية تتحقق بالنسبة للناس في الدنيا ، إذا كان الحكم الجديد أو الناسخ أخفّ من الحكم المنسوخ ، وتتحقق أيضا إذا كان فضلا بالنسبة للآخرة حيث إن الثواب أجزل . والدليل الثاني : قوله تعالى : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [ النحل : 101 ] . قال الزمخشري : تبديل الآية مكان الآية هو النسخ ، واللّه تعالى ينسخ الشرائع بالشرائع لأنها مصالح ، واللّه تعالى عالم بالمصالح والمفاسد ، فيثبت ما يشاء وينسخ ما يشاء بحكمته ، وهذا معنى قوله : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ .