محمد علي الحسن

188

المنار في علوم القرآن

2 - أما السنة : فقد دل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم على جواز النسخ فقد صح الحديث : « كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها » « 1 » . وليس معنى الحديث إلّا القول بجواز زيارتها بعد النهي عن ذلك ، والنسخ لا يعني أكثر من ذلك ، أن يحوّل الحرام حلالا ، والمحظور مباحا على حد قول ابن جرير الطبري . 3 - أما إجماع الصحابة : فقد انعقد على أن شريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ناسخة لجميع الشرائع السابقة ، وانعقد إجماعهم على نسخ وجوب الوصية للوالدين والأقربين بآية المواريث ، فإجماعهم على ذلك دليل شرعي على النسخ . 4 - وأما الدليل العقلي : فإن وقوع النسخ بالفعل هو أدلّ دليل على وجوده وعلى جوازه . وعلى الرغم من تضافر الأدلة على النسخ ووقوعه . فإننا وجدنا أن طائفة من المنتمين للإسلام قد أنكروا النسخ ، كما أنكرته فرقة الشمعونية والعنانية من اليهود وتابعهم النصارى . يقول ابن كثير : ( والذي يحمل على البحث في مسألة النسخ إنما هو الكفر والعناد ، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام اللّه ، لأنه يحكم ما يشاء ، كما أنه يفعل ما يريد ، مع أنه وقع ذلك في كتبه المتقدمة ، وشرائعه الماضية ، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه ، ثم حرّم ذلك ، وكما أباح لنوح - بعد خروجه من السفينة - أكل جميع الحيوانات ، ثم نسخ حلّ بعضها ، وكان نكاح الأختين مباحا لإسرائيل وبنيه ، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها ، وأمر بنو إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم ، ثم رفع عنهم القتل ، كيلا يستأصلهم - وبقوا أحياء يذيقون البشرية ألوانا من أحقادهم - وللّه في ذلك حكمة وأشياء كثيرة يطول ذكرها ، وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه ) « 2 » .

--> ( 1 ) سنن ابن ماجة 1 / 501 ، ح 1571 . ( 2 ) تفسير ابن كثير 1 / 151 .