محمد علي الحسن
154
المنار في علوم القرآن
فقد ذكر في هذه الرواية أربعة ، غير أنه ذكر أبيّ بن كعب بدلا من أبي الدرداء في الرواية الأولى . وهو صادق في كلتا الروايتين ، لأنه لا يعقل أن يكذب نفسه ، فتعيّن أنه يريد من الحصر الذي أورده الحصر الإضافي ، فمرة ذكر أبا الدرداء ، ومرة ذكر أبيّ بن كعب ، وهذا التوجيه وإن كان بعيدا ، إلّا أنه يتعين المصير إليه جمعا بين هاتين الروايتين ، وبينهما وبين روايات ذكرت غير هؤلاء . ومن هنا قال المازري : لا يلزم من قول أنس - رضي اللّه عنه - : ( لم يجمعه غيرهم ) . أن الواقع كذلك في الأمر نفسه ، لأنه لا يمكن الإحاطة بذلك مع كثرة الصحابة وتفرقهم في الأمصار ، ولم يتمّ له ذلك إلّا إذا كان قد لقي كل واحد منهم ، وأخبر عن نفسه أنه لم يكمل له جمع القرآن في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذا في غاية البعد في العادة « 1 » ، وكيف يكون الواقع ما ذكر ، وقد جاء في صحيح البخاري أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « خذوا القرآن عن أربعة : عن عبد اللّه بن مسعود ، وسالم ، ومعاذ بن جبل ، وأبي بن كعب » « 2 » . والأربعة المذكورون منهم اثنان من المهاجرين وهما الأولان ، واثنان من الأنصار وهما الأخيران . ا ه . ولعل مراد المازري بهذا نفي الحصر الحقيقي وتوجيه الحصر الإضافي ، ويؤكد ذلك حديث آخر رواه ابن أبي داود عن محمد بن كعب القرظي قال : ( جمع القرآن على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خمسة من الأنصار : معاذ بن جبل ، وعبادة بن الصامت ، وأبيّ بن كعب ، وأبو الدرداء وأبو أيوب الأنصاري ) . وهناك أجوبة كثيرة عن هذه الشبهة ، وقد أجاب الإمام أبو بكر الباقلاني بأجوبة ثمانية ، ولكن ابن حجر ضعفها ، وغيره فندها . ونكتفي في النهاية بكلمة للمازري حيث يقول : ( وقد تمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة ولا متمسك لهم فيه ، فإنا لا نسلّم حمله على ظاهره ، سلمناه ، ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك ؟ سلمناه ، لكن لا يلزم من كون كل واحد من الجم الغفير لم يحفظه كله ، أن لا يكون حفظ مجموعه الجم الغفير .
--> ( 1 ) فتح الباري 9 / 66 شرح الحديث ( 5004 ) . ( 2 ) صحيح البخاري ح ( 3808 ) .