محمد علي الحسن
155
المنار في علوم القرآن
وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه ، بل إذا حفظ الكلّ الكلّ ولو على التوزيع كفى ) « 1 » . قال القرطبي : قد قتل يوم اليمامة سبعون وقتل في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في بئر معونة مثل هذا العدد ، قال : وإنما خص أنس الأربعة بالذكر لشدة تعلقه بهم « 2 » . هذا عن جمع القرآن حفظا وتلاوة ، أما الجمع بمعنى كتابة القرآن وتدوينه ، فلم تكن عناية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه بحفظ القرآن واستظهاره لتمنعهم من توثيق القرآن بكتابته وتدوينه ، فقد اتخذ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من أصحابه كتبة للوحي ، منهم زيد بن ثابت وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب وثابت بن قيس وخالد بن الوليد ، إذ كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يأمر من حضر منهم بالكتابة لما ينزل عليه من القرآن ، فيكتب الكاتب : إما على العسب أو اللخاف أو الرقاع أو قطع الأديم أو عظام الأكتاف والأضلاع « 3 » . ثم يوضع المكتوب في بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكان مجموعا في صحف قال تعالى : رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً [ البينة : 2 ] . أي يقرأ قراطيس مطهرة من الباطل ، فيها مكتوبات مستقيمة قاطعة بالحق والعدل . وقال أيضا : كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ 11 فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ 12 فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ 13 مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ 14 بِأَيْدِي سَفَرَةٍ 15 كِرامٍ بَرَرَةٍ [ عبس : 11 - 16 ] . أي أن هذه تذكرة مثبتة في صحف مكرمة عند اللّه ، مرفوعة المقدار منزهة عن أيدي الشياطين ، قد كتبت بأيدي كتبة أتقياء ، وما كتب بالصحف كان مؤلفا .
--> ( 1 ) فتح الباري 9 / 66 شرح الحديث ( 5004 ) . ( 2 ) الجامع لأحكام القرآن 1 / 57 . ( 3 ) العسب : بضم العين والسين - جمع عسيب - وهو جريد النخل كانوا يكشفون الخوص ويكتبون في الطرف العريض . اللخاف : بكسر اللام جمع لخفة بفتح اللام وسكون الخاء : وهي الحجارة الرقيقة ، قال الخطابي : صفائح الحجارة ، والرقاع ، جمع رقعة : وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد . والأديم : الجلد . والأكتاف : جمع كتف ، وهو عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم . ( انظر القرطبي ، 1 / 50 ) .