محمد علي الحسن

115

المنار في علوم القرآن

المصاحف عليه ، وقصارى ما استطاعوا أن يسوغوا به مذهبهم وتورطاتهم هذه ، أن الأمة على عهد عثمان رضي اللّه عنه قد اختلفت في قراءات القرآن إلى حد جعلهم يتنازعون ويترامون بتكفير بعضهم للبعض الآخر ، حتى خيفت الفتنة ، فرأى الصحابة بقيادة خليفتهم الحكيم عثمان رضي اللّه عنه ، أن يعالجوا المشكلة ويطفئوا الفتنة ، وبهذه الطريقة جمع الناس على حرف واحد ، ونسخ المصاحف على حرف واحد ، وإهمال كلّ ما عداه من الحروف والمصاحف المنسوخة عليها . وهذا - لعمرك - استناد مائل ، واحتجاج باطل . فقد تنازع الناس على عهد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أيضا في قراءات القرآن على حروف مختلفة ، ومع ذلك أقرّهم الرسول على هذه الحروف المختلفة ، وقرّرها فيهم ، وحملهم على التسليم بها في أساليب متنوعة ، وجعل ذلك هو الحل الوحيد لمشكلتهم ، والعلاج الناجع لنزاعهم ، وأفهمهم أن تعدد وجوه القراءة إنما هو رحمة من اللّه بهم ، وقرّر في صراحة ، وهو يسأل مولاه المزيد من عدد الأحرف ، أن الأمة لا تطيق حصرها في مضيق حرف واحد ، وقال : « وإن أمتي لا تطيق ذلك » إلى آخر ما عرفت ، وأنت خبير بأن أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم باقية إلى يوم القيامة ، وهي لا تطيق ذلك كما قرّر رسولها المعصوم الرحيم صلوات اللّه وسلامه عليه ، كما نشاهد نحن الآن من أن بعض الألسنة في بعض الشعوب الإسلامية ، لا يتيسر لها أن تحسن النطق ببعض الحروف ، ولا ببعض اللهجات دون بعض ، فكيف يسوغ للصحابة وهم خير القرون ، أن يغلقوا باب الرحمة والتخفيف الذي فتحه اللّه لأمة الإسلام ، مخالفين بذلك هدي الرسول عليه الصلاة والسلام في عمله للتخفيف بطلب تعدد الحروف ، وعلاجه للنزاع بين المختلفين بتقرير هذا التعدد للحروف ؟ . ألا إن هذه ثغرة لا يمكن سدّها ، وثلمة يصعب جبرها ، وإلّا فكيف يوافق أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ضياع ستة أحرف ، نزل عليها القرآن دون أن يبقوا عليها مع أنها لم تنسخ ولم ترفع ؟ وعلى حين أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قرّر بقوله وفعله ، أنه لا يجوز لأحد أيّا كان أن يمنع أحدا أيّا كان من القراءة بحرف من السبعة أيّا كان . فقد صوّب قراءة كلّ من المختلفين ، وقال لكل : « هكذا أنزلت » وضرب في صدر أبي بن كعب حين استصعب عليه التسليم بهذا الاختلاف في القراءة .