محمد علي الحسن

116

المنار في علوم القرآن

وقصارى القول ، أننا نربأ بأصحاب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يكونوا قد وافقوا أو فكروا ، فضلا عن أن يتآمروا على ضياع أحرف القرآن الستة دون نسخ لها . وحاشا لعثمان رضي اللّه عنه ، أن يكون قد أقدم على ذلك وتزعمه ، وكيف ينسب إليه هذا ؟ والمعروف أنه نسخ المصاحف التي جمعت على عهد أبي بكر رضي اللّه عنه ، قبل أن يدب النزاع في أقطار الإسلام بسبب اختلاف حروف القراءة في القرآن . فكانت تلك الصحف محتملة للأحرف السبعة جميعا ، ضرورة أنه لم يحدث وقتئذ من النزاع والشقاق ما يدعو إلى الاقتصار على حرف واحد في رأيهم ، ولم يثبت أن الصحابة تركوا من الصحف المجموعة على عهد أبي بكر حرفا واحدا ، فضلا عن ستة أحرف ، ولو كان ذلك لنقل إلينا متواترا ، لأنه مما تتوافر الدواعي على نقله . ثم كيف يفعل عثمان ذلك ، رضي اللّه عنه ذلك ؟ وهو الذي عرف أن علاج الرسول لمثل هذا النوع الذي دبّ في زمانه ، كان بجمع الناس وتقريرهم على الأحرف السبعة لا يمنعهم عنها ، كلّا ولا بعضا . ثم كيف يفعل عثمان ذلك ، وتوافقه الأمة ، ويتم الإجماع ؟ ثم يكون خلاف في معنى الأحرف السبعة مع قيام هذا الإجماع ؟ أي كيف تجمع الأمة على ترك ستة أحرف ، وإبقاء حرف واحد ، ثم يختلف العلماء في معنى الأحرف السبعة على أربعين قولا ، ويكادون يتفقون - رغم خلافهم هذا - على أن الأحرف السبعة باقية ، مع أن الإجماع حجة عند المسلمين ، وبه ينجلي ظلام الشك عن وجه اليقين . ولنفرض جدلا أن نزاع المسلمين في أقطار الأرض أيام خلافة عثمان رضي اللّه عنه ، قضى عليه أن يجمع المسلمين على حرف واحد في القراءة ، فلما ذا لم تسمح نفسه الكريمة بإبقاء الستة الأحرف الباقية للتاريخ لا للقراءة ؟ مع أن الضرورة تقدر بقدرها ، وهذه الستة أحرف لم تنسخ لا تلاوة ولا حكما حتى تذهب بجرة قلم كذلك ، ثم يبخل عليها بالبقاء للتاريخ وحده في أعظم مرجع ، وأقدس كتاب ، وهو القرآن الكريم « 1 » .

--> ( 1 ) مناهل العرفان ص 169 - 170 .