محمد علي الحسن
114
المنار في علوم القرآن
وجمعهم على مصحف واحد وحرف واحد ، وخرّق ما عدا المصحف الذي جمعهم عليه ، وعزم على كل من كان عنده مصحف مخالف المصحف الذي جمعهم عليه ، أن يخرقه . فاستوسقت له الأمة على ذلك بالطاعة ، ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد والهداية ، فتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها إمامها العادل في تركها ، طاعة منها له ، ونظرا منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها ، حتى درست من الأمة معرفتها ، وتعفت آثارها فلا سبيل لأحد اليوم إلى القراءة بها ) « 1 » . ثم يقول : ( فلا قراءة اليوم للمسلمين إلّا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح ، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية ) ، وابن جرير بعد هذا الكلام يرد على اعتراض مفترض فيقول : ( وكيف جاز لهم ترك قراءة أقر أهموها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأمرهم بقراءتها ؟ ) يجيب عن ذلك : ( قيل : إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض ، وإنما كان أمر إباحة ورخصة ، لأن القراءة بها لو كانت فرضا عليهم لوجب أن يكون العلم بكلّ حرف من تلك الأحرف السبعة ، عند من تقوم بنقله الحجة ، ويقطع خبره العذر ، ويزيل الشك من قراءة الأمة ، وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين ) « 2 » . وقد لاقى رأي الإمام الطبري معارضة قوية عند الأقدمين والمحدثين ، وقد تكلم الزرقاني كلاما طويلا في الرد على من قالوا : إن الباقي الآن حرف واحد من السبعة التي نزل بها القرآن ، أما الستة الأخرى فقد ذهبت ولم يعد لها وجود البتة ، ونسوا أو تناسوا تلك الوجوه المتنوعة القائمة في القرآن على جبهة الدهر إلى اليوم ، ثم حاولوا أن يؤيدوا ذلك ، فلم يستطيعوا أن يثبتوا للأحرف الستة التي يقولون بضياعها نسخا ولا رفعا ، وأسلمهم هذا العجز إلى ورطة أخرى ، هي دعوى إجماع الأمة على أن تثبت على حرف واحد ، وأن ترفض القراءة بجميع ما عداه من الأحرف الستة ، وأنى يكون لهم هذا الإجماع ولا دليل عليه ؟ هنالك احتالوا على إثباته بورطة ثالثة ، وهي القول بأن استنساخ المصاحف في زمن عثمان رضي اللّه عنه ، كان إجماعا من الأمة على ترك الحروف الستة ، والاقتصار على حرف واحد هو الذي نسخ عثمان
--> ( 1 ) جامع البيان 1 / 21 . ( 2 ) جامع البيان 1 / 22 .