محمد سعيد رمضان البوطي
63
من روايع القرآن
اختلف العلماء في ذلك ، ونقل الزرقاني أن أكثرهم على أن ذلك إنما كان في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبأمره ، فقد قال : « وهل استقرّ ذلك في الزمن النبوي أم بعده ؟ الأكثر على الأول واختاره الباقلاني وابن عبد البرّ وابن العربي وغيرهم ، لأن ضرورة اختلاف اللغات ومشقة نطقهم بغير لغتهم اقتضت التوسعة عليهم في أول الأمر . . . حتى انضبط الأمر وتدربت الألسن وتمكن الناس من الاقتصار على لغة واحدة ، فعارض جبريل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن مرتين في السنة الأخيرة واستقر الأمر على ما هو عليه الآن فنسخ اللّه تلك القراءة المأذون فيها ، بما أوجبه من الاقتصار على هذه القراءة التي تلقاها الناس « 1 » . وعلى هذا ، فقد كان إقدام عثمان رضي اللّه عنه على جمع الناس على حرف قريش ومنع القراءة بكل حرف آخر سواه مما يخالف خط المصحف المعتمد ، وتحريق المصاحف الأخرى المخالفة له - كان كل ذلك منه باستناد إلى هذا الذي رواه الزرقاني عن أكثر أهل العلم من استقرار القرآن كتابة وقراءة ، في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على جزء من الأحرف السبعة ، وهو الذي كانت كتابة القرآن به . وما أجمع الصحابة ومن بعدهم مع عثمان على صنيعه ، إلا استنادا إلى أن الأمر كان قد استقر على ذلك في آخر عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبأمر منه . ويبقى بعد ذلك السؤال التالي : ولكن جمع عثمان الناس على حرف واحد لم يوحّد القراءات توحيدا تاما ، بل بقي الناس مع ذلك يختلفون في القراءة بأوجه من النطق والأداء ضمن ما يتحمله الحرف الواحد المعتمد كتابة ، منذ عهد الرسول ، والذي أصبح معتمدا في الكتابة والقراءة معا في عهد عثمان ! . . . والجواب أن هذه القراءات المختلفة التي ظل الناس يقرءون بها حتى بعد عهد عثمان ، إنما هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ، وإنما سوغ القراءة بها أنها موافقة لخط عثمان الذي أجمع الصحابة فمن بعدهم عليه « 2 » .
--> ( 1 ) الزرقاني على الموطأ : 1 - 363 . ( 2 ) الإبانة لمكّي بن طالب ص 3 .