محمد سعيد رمضان البوطي
48
من روايع القرآن
ولننقل لك مرة أخرى ما رواه البخاري بسنده في ذلك : ( عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدّثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان ، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق ، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة ، فقال حذيفة لعثمان : يا أمير المؤمنين ، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ، ثم نردّها إليك ، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان ، فأمر زيد بن ثابت وعبد اللّه بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن حارث بن هشام ، فنسخوها في المصاحف ، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش ، فإنما نزل بلسانهم . ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة ، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا ، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق ) « 1 » . وإنك لتدرك من هذا النص أن هنالك فرقا من ثلاثة وجوه بين ما فعله عثمان رضي اللّه عنه وما كان قد فعله من قبله أبو بكر رضي اللّه عنه . الأول : أن السبب فيما فعله عثمان إنما هو ما رآه من اختلاف بعض المسلمين في قراءة القرآن ، من أثر اتساع الفتوحات ودخول قدر كبير من الأعاجم في الإسلام ، يدلك على ذلك ما قاله حذيفة بن اليمان وقد أفزعه ما رآه من بادرة الاختلاف في قراءة القرآن ، وهذا ما حمله رضي اللّه عنه على أن يتشدد في المسألة فيأمر بإحراق كل ما يوجد من صحف ومصاحف أخرى في أيدي الناس ، حصرا للاعتماد وحيطة في الضبط ، وإنما كان ذلك منه بعد أن جمع المهاجرين والأنصار وجلّة أهل الإسلام وشاورهم في الأمر ، فاتفقت كلمتهم على استنساخ المصاحف المتعددة من الأصل المعتمد واطراح ما سواها . روى القرطبي عن عمير بن سعيد قال علي رضي اللّه عنه : لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان « 2 » .
--> ( 1 ) صحيح البخاري : 6 - 99 . ( 2 ) انظر تفسير القرطبي : 1 - 52 ، و 5 ، والبرهان : 1 - 230 .