محمد سعيد رمضان البوطي
49
من روايع القرآن
أما ما فعله أبو بكر فإنما كان ذلك بسبب مصرع كثير من حفّاظ القرآن ، كما قد رأيت . الثاني : اعتمد عثمان رضي اللّه عنه في كتابة المصاحف على لجنة مكونة من أربعة أشخاص من كبار القرّاء والحفّاظ ، من بينهم زيد بن ثابت . أما الجمع الأول فقد اعتمد فيه أبو بكر كما قد رأيت على زيد بن ثابت فقط ، ولعلّ سبب هذا الفرق مضاعفة الجهد هنا بسبب كتابة النسخ المتعددة . الثالث : الصحف التي جمعت في المرة الأولى ، إنما كان المراد منها أن تبقى في دار الخلافة معتمدا ومرجعا للدولة ، إذ لم يكن في البال ما تسرب إلى بعض الألسنة أخيرا من الاختلاف في قراءة القرآن بسبب شيوع العجمة واتساع الرقعة الإسلامية . أما هذه الكتابة الثانية فإنما أريد منها اعتمادها ثم توزيعها في الأمصار لتتوحد القراءة على أساسها . إلا أن الباحثين اختلفوا في عدد المصاحف التي استنسخها ، والراجح الذي عليه أكثرهم أنها سبعة مصاحب ، استبقى واحدا منها عنده وهو الذي سمي بالمصحف الإمام ووزع سائرها على الكوفة والبصرة والشام واليمن ومكة والبحرين « 1 » . ثم إنك إذا تأملت في قصة هذا الجمع الثاني وقفت على حقيقتين لا بدّ من إدراكهما : الأولى : ترتيب مصاحف عثمان ورسمها إنما كان على نسق ما كتبه زيد بن ثابت في الجمع الأول ، إذ إن الصحف التي اعتمد عليها إنما كانت كما علمت من كتابة زيد ، بعد أن أمره كلّ من أبي بكر وعمر بذلك ، وزيد بن ثابت هذا هو من أشهر الصحابة ضبطا للقرآن وحفظه ، وهو صاحب العرضة الأخيرة للقرآن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبيل وفاته ، فأقرّه الرسول عليه الصلاة والسلام ، وأمر الناس بأخذ القرآن عنه ، ومن هنا قطع كافة العلماء والباحثين
--> ( 1 ) البرهان : 2 - 240 .