محمد سعيد رمضان البوطي
40
من روايع القرآن
ثالثا - أهمية معرفة أسباب النزول : لمعرفة أسباب نزول الآيات ، أهمية كبرى في تجلية معانيها ، والوقوف على حقيقة تفسيرها ، إذ ربّ آية من القرآن يعطي ظاهرها دلالات غير مقصودة منها ، فإذا وقفت على مناسبها وسبب نزولها انحسر عنها سبب اللبس وظهرت فيها حقيقة المعنى ومدى شموله واتساعه . فمن ذلك قوله تعالى : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ، فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ ( البقرة : 115 ) . فالمتبادر من ظاهرها أن الاتجاه في الصلاة إلى كل الجهات سواء ، فللمصلي أن يتجه إلى حيث يشاء في صلاته . ولكنك إذا وقفت على سبب نزول هذه الآية رأيت أنها لا تحمل هذه الدلالة المطلقة ، وسببها على ما رواه الواحدي في كتابه أسباب النزول ، عن جابر بن عبد اللّه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث سرية فأصابتهم ظلمة ، فلم يعرفوا القبلة ، فاتجه كلّ منهم ناحية حسب ظنه واجتهاده ، فلما قفلوا عائدين سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك فسكت ، فأنزل اللّه تعالى ، وللّه المشرق والمغرب فأينما تولوا فثمّ وجه اللّه « 1 » . ولولا معرفة سبب النزول لتمسك الواهمون بمثل قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما دليلا على عدم حرمتها لما فيها من المنافع . فمن أجل ذلك يقول الواحدي في مقدمة كتابه أسباب النزول ( . . إذ هي - أي أسباب النزول - أوفى ما يجب الوقوف عليه وأولى ما تصرف العناية إليه ، لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها ) « 2 » . رابعا - اهتمام العلماء بالكتابة في « أسباب النزول » . ونظرا لهذه الأهمية التي ذكرناها لمعرفة أسباب نزول الآيات ومناسباتها ،
--> ( 1 ) أسباب النزول ص 20 . ( 2 ) المرجع السابق : 4 .