محمد سعيد رمضان البوطي
20
من روايع القرآن
عصر القرآن أسماء لا تكاد تنحطّ على معنى واضح متفق عليه . وإنما بلاغة كل جماعة أو قبيلة ما تستسيغه وتتذوقه ، ولذلك كانت المنافسات البلاغية تقوم فيما بينهم وتشتد ثم تهدأ وتتبدد ، دون أن تنتهي بهم إلى نتيجة ، إذ لم يكن أمامهم مثل أعلى يطمحون إليه ولا صراط واحد يجتمعون عليه ، ولم يكن للبلاغة العربية معنى إلا هذا الذي يصدرون هم عنه من كلام في الشعر والنثر ، وهم إنما يذهبون في ذلك طرائق قددا ، ويتفرقون منه في أودية متباعدة يهيمون فيها . وهيهات ، لو استمر الأمر على ذلك ، أن توجد للبلاغة والبيان العربي حقيقة تدرك أو قواعد تدرس ، أو قوالب أدبية تهذب العربية وتحافظ عليها . فلما تنزل القرآن ، والتفتوا إليه فدهشوا لبيانه ، وسجدوا لبلاغته وسموّ تعبيره ، وأجمعوا على اختلاف أذواقهم ومسالكهم ولهجاتهم أن هذا هو البيان الذي لا يجارى ولا يرقى إليه النقد - كان ذلك إيذانا بميلاد مثلهم الأعلى فيما ظلوا يختلفون فيه ويتفرقون عليه ، وأصبحت بلاغة هذا الكتاب العزيز بعد ذلك هي الوحدة القياسية التي تقاس إليها بلاغة كل نص وجمال كل تعبير ، ثم تعاقبت الدراسات عليه من أرباب هذا الشأن وعلمائه ، فاستخرجوا منه قواعد البلاغة ومقوّمات البيان ومسالك الإعجاز فكانت هذه العلوم البلاغية التي امتلأت بها المكتبة العربية ، وأصبحت فنا مستقلا بذاته . ولولا القرآن لما عرف هذا الفن ولا استقامت تلك الأصول والقواعد ، ولتبدّد المثل البلاغي الأعلى في أخيلة فصحاء العرب وشعرائهم . . . فكيف يستقيم مع ذلك ، أن يدرس هذا الفن وأصوله بمنأى عن مثله الأعلى ومصدره العظيم الأول ؟ السبب الرابع : أن متن هذه اللغة ، كان مليئا قبل عصر القرآن بالكلمات الحوشية الثقلية على السمع المتجافية عن الطبع . ولو ذهبت تتأمل فيما وصل إلينا من قطع النثر أو الشعر الجاهلي ، لرأيت الكثير منها محشوّا بهذه الكلمات التي وصفت وإن كنت لا تجد ذلك إلا نادرا في لغة قريش . وإليك هذه القطعة النثرية نموذجا لكلامهم في الجاهلية ، أو لكلام الأعراب الذين أدركوا الإسلام ولكن ألسنتهم ظلت على ما انطبعت عليه في نشأة الجاهلية ، وهي كلمات قالها أعرابي وقف بين الناس يستجدي مالا .