محمد سعيد رمضان البوطي

21

من روايع القرآن

( أما بعد فإني امرؤ من الملطاط الشرقي المواصي أسياف تهامة ، عكفت علينا سنون محش ، فاجتبّت الذرى وهمشت العرى وجمشت النجم وأعجّت البهم ، وهمّت الشحم ، والتحبت اللحم ، وأحجنت العظم ، وغادرت التراب مورا ، والماء غورا ، والناس أوزاعا والضّهل جراعا ، والمقام جعجاعا ، فخرجت لا أتلفّع بوصيدة ، ولا أتقوّت بمهيدة ، فالبخصات وقعة والركبات زلعة ، والجسم مسلهم ، والنظر مدرهم ، فهل من آمر بمير أو داع بخير ) « 1 » . فلما تنزل القرآن ، وأقبلت إليه الآذان ، أخذت هذه الكلمات الجافية تختفي عن ألسنة العرب رويدا رويدا ، وأصبح متن اللغة العربية كله مطبوعا بالطابع القرآني ، ونما ذوق عربي في نفوس العرب أنبته لديهم القرآن وأسلوبه . ومردّ ذلك إلى أن كلمات هذا الكتاب المبين ، رغم أنها كانت عربية لم تتجاوز حدود هذه اللغة وقاموسها ، تمتاز ، في صياغتها وموقع كلّ منها مما قبلها وبعدها بجرس مطرب في الآذن لم يكن للعرب عهد به من قبل ، هذا إلى أن كثيرا من الاشتقاقات والصيغ الواردة فيه ، تكاد تكون جديدة في النطق العربي ، وهي مع ذلك توحي بمعناها إلى الفطرة والطبع ، قبل أن يهتدي السمع إليها بالمعرفة والدرس . وسنسهب في إيضاح هذا إن شاء اللّه عند حديثنا عن إعجاز القرآن .

--> ( 1 ) الملطاط ، حرف من أعلى الجبل أو جانب منه . والمواصي ، أي المتصل . وأسياف جمع سيف يقال لساحل البحر . ومحش بمعنى محرق أي أحرقت الزرع والكلأ . وفاجتبت بمعنى قطعت . والعرى جمع عروة وهي القطعة من الشجر وجشت بمعنى حلقت ، والنجم النبات الذي لا يستقيم على ساق ، وأعجت البهم أي جعلتها عجايا وهي جمع عجي وهو ما فقد أمه من الإبل ، وهمت الشحم : أذابته ، والتحبت اللحم أي قشرته عن العظم أي عوجته فصيّرته كالمحجن . وغادرت التراب مورا أي يمور مورا بمعنى يجيء ويذهب ، والغور : الغائر ، والأوزاع : الأقسام المشتتة ، والضهل : الماء القليل ، وجراعا جمع جرع وهو ما لا يروي من الماء ، والجعجاع : المكان الذي لا يطمئن من قعد فيه . لا أتلفع : لا أشتمل ، بوصيدة : أي بأي شيء منسوج ، والمهيدة : حب الحنظل ، والبخصات جمع بخص : لحم باطن القدم ، ووقعه من قولهم وقع الرجل إذا اشتكى لحم باطن قدمه ، والزلعة جراحة فاسدة تكون من تشقق اللحم في القدم أو الركبة . ومسلهم : ضامر متغير . ومدرهم من ضعف بصره بسبب جوع أو نحوه ، والمير : العطية من الطعام . هذا وراجع المزهر للسيوطي لتقف على نماذج كثيرة من هذا القبيل .